المشاركات

مشاركة مميزة

ما جاوز الإمتلاء

  أشعر أنني ممتلئة.. بالكثير من الكلام الذي لم أقله، وأكثر من الذي لم أكتبه. ضريبة هجران القلم، أن تتراكم الأيام في جوفك، تلك التي ابتلعتها مجبرًا، وتلك التي تلذذت بها، والكلمات تهديك مقعدًا في الذاكرة، وامتيازًا بأن تُبقي الأشياء حية، ولو طواها الزمن في صفحاته، حتى تتجدد التجارب كما كانت عليه في الوهلة الأولى كلما هممت بقراءتها. .. عن غرفة مغلقة في طابق علوي، تعزلني وتجمعني، بي فقط.. عن صرخات لا تمتد إلى رأسي، وأخرى تنطلق منه، عن قلب تعلم أن يختار ما يصعب عليه، حتى لا تصعب عليه نفسه، عن حوارات صامتة تحاصر أذني لبرهة، وعن صمت يُسمعني ألحان الطبيعة، فألمس شمسًا في غروبها مواساة، وقمر في حضوره تشجيع، وشجرٌ في حفيفه ألفة تقمع أي وحشة. .. وحروب صغيرة من أجل الكافيين، تعقبها لذة لحظات الظفر، فاكتفاء واستغناء وكوب قهوة يشاركني الطريق، ربما كان الكوب فكرة، أو امتدادًا لفكرة، أو مصدر نشأة لفكرة أخرى، المهم هو رمزيته، أو ربما إسهامه، أو ربما تريبتته اللطيفة على كتفي.. عذرًا، على رأسي! هي مُرّة ولكنها حُرّة، تحب فرض حقيقتها حتى ولو فُرِضت عليها التحلية تكلفًا، تحفظ لها رونقًا خاصًا لا يتجاوز...

ما وراء المشهد

خلف الكثير من تلك الصور، ما لا يُرى، وما لا يُروى، وما لا نكونه إلّا عندما نبتعد عن نطاق الأعين المُتطفلة، وأحيانًا لا نُخفي المواضع المظلمة منّا فقط، بل نُواري نُورَنا خوفًا عليه من الإنطفاء، خوفًا من أن تخمد حيويته مع التداول البشري، كغيرها من الأمور التي دفنتها التجارب وفوضى العلاقات بداخلنا، فأنشأت حارسًا متيقِّظًا بداخلنا، يحرص على أن لا نتكشَّفَ بكلِّ ما فينا تمامًا، أن لا تُنتهك حقيقتنا على الوجه الذي لا يلائمها. وأحيانًا يكون الإختلاء حاجة، لا لعيب في الآخر؛ بل لأن الروح تحتاج موعدًا فرديًا لها، حتى تهدأ وحسب، أو ربما حتى تنتفض، أو لتحسم أمرًا بقي عالقًا بين الكثير من القضايا العالقة، لأن سرعة الأيام لا بد أن تُبقيك في المنتصف في طُرُق عدّة. ما يُنغِّصُ المرءَ في المنتصف، ويضرم النيران في جوفه، هو كونه يحبسه في منطقة تعجُّ بالأسئلة، مثيرًا فيه رغبة الوصول، ولكن لا جواب يلوح في الأرجاء، ولا حتى إشارةٌ لجواب ينتظر بعيدًا، وهذا المنتصف -ما أبغَضَه!- قد يبقيك متحرِّكًا في دوامة لا تُنذِر بنهاية في الأفق، وطريق بلا وجهة، وانتظار مديد لربيعك الذي تتوق إلى حضوره لإِنقاذكَ من خريفٍ طال...

عنق الزجاجة

 إنني الآن في عنق الزجاجة، تتصارع النقائض في رأسي بضراوة، وتُنازع أفواج أسئلةٍ باستماتة للحصول على أجوبتها.. وأنا في مكاني، في خضم كل هذا، أحاول أن أتنفس وأستعيد شيئًا من سكوني، سكونٌ بادٍ في محيّاي بكل وضوح، ولكن خلف هيكل هذا المحيّى تختبئ أعتى الحروب، ضجيج لا يضاهيه شيءٌ في هذا العالم الذي لا يهدأ. أصطدم بعواصف نابعة من جوفي، أعجز عن تحديد ماهيّتها أو حتى بُنيتها، أَحقائقٌ هي أم محض وساوس؟ هل أزداد بها معرفة بنفسي؟ أم تتوسع الفجوة بيني وبينها فأجهلها، أيّ منها هي حقيقتي؟ أي منها تمثل جوهري ونزعاتي؟ وهكذا دواليك.. أستمرّ بطرح الأسئلة ببراعةِ من أكسبته السنون خبرة وعلمًا وفيرًا في مجاله، أما عن الأسئلة.. فتبقى دون أجوبة، التغيير الوحيد الذي يحدث حيالها هو أن يصيبني السأم تجاهها فأترك حبالها وأمضي بأسئلة أخرى، وكلما لوّحت لي "نهايةٌ" من بعيد، أسقط في بدايات أخرى ومقدمات لأمور مخبوءة، متروكة للزمان الآتي. ومؤخرًا لا أنفك أذكر تلك المهارة التي أكسبتنيها الأيام الخالية، مهارة "التخلي\الترك"، وتستمرّ قائمة "ما هو غير مرغوب عندي" بالتنامي كوحش يلتهم كل ما حوله، ...

في الليلة الظلماء

 يقال أن الظلمة لا تطرد ظلمة أخرى، ولكن على ما يبدو، فالليل استثناء! لقد كانت ظلمته تنير عتمة الليل الآخر المحتجب خلف ضلوعها، وبشكل ما تتضح لها الرؤية في ذلك الوقت من اليوم فقط، حيث تنخرط في حوار مع النجوم، مع نفسها، فتتكشّف لها أيّما تكشّف.. لقد كانت تلك النجوم تحدثها عن حقيقتها. لذلك فهي على يقينٍ بأنّ الليل فكرة أدبية وفلسفية قد أُجمع عليها، هو تلك الرواية مثقلة الوتيرة، ولكن رغم ذلك لا يُمَلّ منها، هو ذلك العالم المستقل الذي لا يدركه غير أهله، بينما يترنّح الباقون على السطح فقط، ثم يسقطون في فخاخ النوم والغفلة، على الضفاف نائين بأنفسهم عن عمق الأغوار، عن المعاني وشره الأفكار. ربما يعيد الليل ترتيبنا، يعيدنا إلى النفس التي لاقت من التهميش نهارًا ما يهدد وجودها، وكأن الشمس إذ تطلع، تدأب على إخفاء أيّ أثر يخصّ تلك النفس، فيركض الجسد خلف الأشياء، والأشخاص، ويركض ويركض، ثم ينسى نفسه، يرى ولكنه لا يبصر، ولكنه يحوز الإبصار كله بعد المغيب. وفي الليلة الظلماء يفتقد الكثير.. وأعتاها أن يفتقد أحدهم نفسه، تلك التي كانت، تلك التي عاشت، أو تلك التي.. ماتت! ... لا يُمتَدح الليل بمياعة تج...

بين البداية والنهاية، سجن!

 لا شيء .. وكلُّ الأشياء في اللاشيء من الأساس. هاقَد التهمني جُبٌّ سحيق مظلم، سقطتُ وما كانت أي سقطة، سقطت حتى نسيتُ ماهيّة الخطوات، وشُلّتْ أقدامي، عجِزتُ عن استعادةِ خطوَتي الأولى، أو حتى لهفتي إليها وإلى المسير، لم يَعُد يعنيني الطريق ولا الرحلة، لا الأمام ولا الخلف، لا شَيء .. وكلُّ الأشياءِ في اللّاشيء! تنفسَّت حرارة البيْن بين ضُلوعي، وددتُ لو أُطلِقُ صرخةً أفرِجُ بها عن كلِّ حرائقي، ولكن لا شيء سِوى غَمامة الصمتِ الرهيب تَبتلعُني إلى أعمقِ نقطة، كلما رَاودَتني خاطرةُ الهروبِ عن نفسي. ولكنني في تلك الليلة فقط علمتُ أنّ السجنَ ليس في الجدرانِ، ولا في القضبانِ، بل هو في اللحظةِ التي يُطلَقُ عليكَ فيها لفظَ السّجين، فتصير أنتَ "السجين" في عقلِكَ ومُخيّلتك، وفي عقولِ الآخرين، الآخرين الذين يدفنونَك في جحيمِ زَنازينِهم بعد أن كنتَ مدفونًا من قبل في جحيمِ مودتهم الحُرّة. لم يكُن الأمرُ مرتبطًا بالمادةِ أكثر مِن ارتباطهِ بالدواخلِ المُظلمة، فما الفرقُ إذًا بينَ غُرفةٍ في سجنٍ وغُرفة في بيتٍ يَعيشُ صاحبُهُ وَفِكرةُ السجينِ تَتغذَّى مِن خَلايَا دِمَاغه، وتَعيشُ القُضبانُ فِي مِر...

تساؤلات: الأمان

 ما هو الأمان إن احترفت المشاعرُ التواريَ والإحتماء؟ ما هو إن أخمد التخوّف من الإفشاء لهيبها وأشعل لوعتها؟ ما هو إن اكتست وحدة على وحشة؟ أم أنّ الأمان هو مسمىً وظيفي مختزلةٌ قيمته في كونه (مسمىً) وفقط، دون أيّ وظيفة تُذكر أو عمل. إذا ما كان يكمن منبعه في بواطن الروح، فلِمَ يهلك الإنسان نفسه في تقصّي أثره في الآخرين؟ ألم يكونوا شيئاً من الجحيم الدنيوي؟ كلما تنفس المرء في هذه الحياة فهو محكوم بالتمرّغ في أوحالهم المنتنة كل يوم وليلة، ليس الفيلسوف من قالها بالمناسبة، بل كانت نفسه البشرية التي نملك منها بين جنبينا. هل كبرنا إلى الحد الذي توقفنا فيه عن البحث عن الأمان ورضينا بالتفاوض مع الخطر حتى النفس الأخير؟ لم تضحي الحياة غاية أو جزءًا من غاية بأي شكل من الأشكال بعد الآن، وتوقف الأمل عن كونه رحيقاً، ليصبح ماء، مع أولويته يظل متواضع المزايا، ليس سحرياً يعني! حتى هذه النقطة، توقفت التساؤلات عن ملاحقة الأجوبة، اختارت لمرّة أن تستقلّ بمرارة نقصها، وأن تستغني عن نصفٍ يمنحها نهاية لطريقها، حتى هي لم تعد تقوى على السير، تخلّت عن حلّة تتوّجت باستفهامها، واختارت ثوباً من اللاشيء مرصعاً بإنتفا...

في اللغة..

  أليس غريباً؟ أنه حين يحلم المرء، تستيقظ اللغة لتسعفه وتحكم قبضتها على الذاكرة، أما عندما يتوقف عن الحلم تجاهد حتى تُنشِئ حلماً.. نفَس أخيرٌ لها للنجاة. اللغة في حد ذاتها مدمنةٌ للصمود متمنعةٌ عن السقوط، ولكن نصيب الإنسان منها يقوى ويهزل، الأمر مرهون بقلبهِ.. بأحلامهِ. هل اللغة تروينا أم تعلمنا الإرتواء بأنفسنا؟ هي وسيلة.. نعم، ولكن هل يمكن أن تضحي غاية؟ ما معنى أن تمنحنا شعورًا لحظياً أو قائماً بالرضا، تهدينا نقاط ترقية بشرية أحيانًا، وتقف منتصبة دون أن تتأثر، مهما ظننا فنحن لا نضفي لها شيئاً، بل كل الإضافات نحوزها منها منفردين، لأنها تحب تمثيل التكامل في أبهى حلله. هل تستوي اللغة مع القلم أو لوحة المفاتيح لدى الكاتب؟ ما الذي يحيطها بهالة القداسة تلك؟ أرى جواباً مختبئًا في قعر السؤال، أُفضِّل أن لا أوقظه، دعنا نلعب باللغة قليلاً، ولكن ألن تصيبنا لعنة العبث؟ أم أنها ستسخط  كما تفعل أمٌّ مع إبنٍ عاق؟ ولكنني أخاف أن أجرحها.. فهل تُجرَح اللغة؟  إنما ذاك امتياز حازه جمع من الشعراء، تفرّدوا باللعب برشاقة على أوتار اللغة فأجادوا، وليس الكل مخول بذلك. حسنٌ، لن ألعب باللغة.. سأخ...