ما جاوز الإمتلاء
أشعر أنني ممتلئة.. بالكثير من الكلام الذي لم أقله، وأكثر من الذي لم أكتبه.
ضريبة هجران القلم، أن تتراكم الأيام في جوفك، تلك التي ابتلعتها مجبرًا، وتلك التي تلذذت بها، والكلمات تهديك مقعدًا في الذاكرة، وامتيازًا بأن تُبقي الأشياء حية، ولو طواها الزمن في صفحاته، حتى تتجدد التجارب كما كانت عليه في الوهلة الأولى كلما هممت بقراءتها.
..
عن غرفة مغلقة في طابق علوي، تعزلني وتجمعني، بي فقط.. عن صرخات لا تمتد إلى رأسي، وأخرى تنطلق منه، عن قلب تعلم أن يختار ما يصعب عليه، حتى لا تصعب عليه نفسه، عن حوارات صامتة تحاصر أذني لبرهة، وعن صمت يُسمعني ألحان الطبيعة، فألمس شمسًا في غروبها مواساة، وقمر في حضوره تشجيع، وشجرٌ في حفيفه ألفة تقمع أي وحشة.
..
وحروب صغيرة من أجل الكافيين، تعقبها لذة لحظات الظفر، فاكتفاء واستغناء وكوب قهوة يشاركني الطريق، ربما كان الكوب فكرة، أو امتدادًا لفكرة، أو مصدر نشأة لفكرة أخرى، المهم هو رمزيته، أو ربما إسهامه، أو ربما تريبتته اللطيفة على كتفي.. عذرًا، على رأسي!
هي مُرّة ولكنها حُرّة، تحب فرض حقيقتها حتى ولو فُرِضت عليها التحلية تكلفًا، تحفظ لها رونقًا خاصًا لا يتجاوزها، هل في ذلك شيءٌ من مبالغة؟ أو أنها زاوية أخرى للبصر، أو عين أخرى للعقل، أو أي شيء آخر يستحق إلتفاتةً ولو لثوان.
مواقع تتغير وأحوال تتبدل، وتتفقد حجرات قلبك فتجد تشكيلة مختلفة لمن يشاركونك هذه الحياة، هناك من خسر مكانه أو انحسرت مساحته، وهناك من اتسع مقامه، وهناك من يستقبلك في أول لحظة لدخولك، فتألف من لم تكن تعرفه، ويعود غريبًا ذاك الذي ألفته أو ربما بعيدًا، أو ربما أمامك.. ولكن بينكما نهر راكد.
ولكنني الآن أعرفني أكثر، كما لم أعرفني من قبل، من تلك الدمعة، من تلك النظرة الشاردة في الأفق، من ذلك الحلم الذي بعثرني، ومن صباح لا أشبه فيه ما غفوت عليه ليلًا، ومن قلبي الذي ينذرني أنني في ذاك المكان، في تلك اللحظة، مع أولئك القوم، لا أكون أنا.
من الميدالية التي تحمل حكاية أخرى..
تعليقات
إرسال تعليق