المشاركات

مشاركة مميزة

"ولقد آتينا موسى"

واطّلعُ بفؤادي على قصة موسى عليه السلام، الإنسان قبل النبي، فأرى قلبًا بشريًا، يقع عليه ما يقع على غيره، يحاصره الخوف تارة، ويطرقه الغضب أحيانًا، وربما أصابه الندم، ويستمدّ شيئًا من طمأنينة من عونِ أخيه، وبكل إنسانيته حمل ذلك القلب أمانة عظيمة، وحِملًا ثقيلًا، ومقام نبوّةٍ شريف. ذلك القلب الذي تعلّق بدعاء ربه ومناجاته، تلك الدعوات الصادقات التي يتردد صداها بيننا إلى الآن، وتصدح بها ألسنتنا منذ أزمنة عديدة إلى مديدة، وفي كل خطوة يخطوها -ليست بتلك الخطوة الإعتيادية-، بل خطوة نبي، بكل ما فيها من مسؤولية وثقل وهموم وآمال تُعقد ودعوات تسرح في القلب وتنساب على اللسان، يقف موسى رجلًا في مواجهة فرعون وملأه ملكًا، ويعزّه ربه بآيات تهتزّ لها الأجساد، وترهبها الأنفس، لأنك يا موسى، يا سيدنا ونبينا، الأعلى، لأن معك ربك. ومضى مطمئنًا، رغم كل شيء، فلا ضير للأسباب، لأن لها ربًّا يدبرها ويصرفها كيف يشاء. ولأن موسى له ربٌّ -سبحانه-، يشقّ البحر، ويحيي الميت فيسعى حيًّا، ويُحلِل عذابه على من عاداه، ويبرئ عبده بلمح البصر، ويجيب الدعاء ولو طرق باب المستحيلات. فكيف يخشى؟  وأنت يا إنسان، ما ظنك بربك؟

لن تصل إلّا بِدعاء

 كل تلك الليالي الثقيلة، التي خاضها قلب محمل بسيل من الدعوات والصرخات التي لم تجد الأمان لنفاذها إلا هناك، في جوف تلك الليالي، على سجادة ابتلّت بدمعٍ حُرّ تناثر على كل ما حوله، كانت تلك الروح أكثر بعثرة من أي شيء حولها، جزعة من وابل الأسئلة المتساقط عليها، متكوّرة على نفسها بحثًا عن عناق، توهمها وحدتها بالبرودة، فتستميت لتدفء نفسها "بنفسها" كما اعتادت، وتمسح دمعها بكفها، وتقوّي قلبها بقلبها، وتطلب العون من الله على كل ذلك. كانت تعلم بأن تلك الدعوات المختبئة بداخلها، الجارية على لسانها، المرافقة لها في لياليها، لم تكن لتخطئ وجهتها، ولكنها فقط تجهل المواعيد والأوقات والموازين، في الحقيقة لم تكن قطّ جيدة في الحساب، ولكن ذلك كان خفيّ عليها، وكل ما خُفِي تعذّبت بانتظاره الروح ولو كان حبورًا. وظلّت تلاحق الدعوات وأحيانًا تلاحقها الدعوات، إلى أن سقط على رأسها يومًا شلال أنعش روحها، جمعها بأمنية الليل المختزنة، كانت ترى تلك الليالي بما فيها تجري أمام عينيها جري العاديات، وسرعان ما تتلاشى وكأنها لم تكن، وكأنها لم تُعاش. لتخبرها بأن ما كان، لم يكن هباءً منثورًا، ولم يضحِ هباءً منثورًا،...

الصفحة الأخيرة لما هو غير مكتمل

الآن وقد أدركت صميم المعضلة التي أرّقتني، قررت إغلاقها بالكامل، على الأقل من طرفي. فقد كنت أرغب ولكن لا أجزم، وكنت أميل ولكنني لا أتوجّه. استندت على طريق معبّد بالإشارات المبهمة، فكِدتُ أن أهوي مرات عديدة. رَضيتُ بالمنتصف الذي لطالما أبغَضَتْهُ روحي، عَلِقتُ في الأسئلة وتفادَيتُ الأجوبة مع تَوَهُّم البحث عنها، وكأنني قد كنت أعيش في كثيب من الاستفهامات والإفادات المؤجلة. أدركت أخيرًا، أنه حتى غياب الإجابة يعتبر إجابة لبعض التساؤلات المستعصية. عندما تستفتِ قلبك ويعجزه الجواب، تأكد أن الإجابة تختبئ هناك، أن تنجو..  أن تنجو. ... جئت الآن لأكتب نهاية كل ذلك. الصفحة الأخيرة تمامًا. تلك التي ستكون الصفحة الوحيدة من الرواية التي تحجز مكانها في الذاكرة، بعد بضع أعوام لن تتذكر سواها، ولن يخطر ببالك سوى سطر الإغلاق الأخير، وبعد عشرين عامًا، ستنسى القصة كأنك لم تعِشها، كحلم حزين اختفى فور استيقاظك! . "لم يفهم أبداً لماذا تنتابه موجة إحساس ما، إحساس يماثل الإستيقاظ من حلم حزين، دون تذكّر أي شيء سوى خاتمته بالكاد." -خالد حسيني

ما خلف سواد ليوبارد

 يقف كظلٍّ قاتم.. ولكنه يُرى.. مستقلٌّ لا يُلاحِق، بل ترقُبه العيون الصامتة. لا صوتَ له، ولكن جموحه المستتر عالٍ إيقاعه. يُستَحال النفاذ إليه، أو حتى تدوير مُقلتيه.. كل ما فيه ثابت. تشعر وكأن كل ما في الأرض يهتزّ من حوله، ولكنه متجذّر لا تحركه الأشياء. أخفى السواد بريقَ رَقطه، بالله ما يسكن خلف ذاك الدُّجى؟ أيَنسابُ السَّنا في باطن ظلامه؟ أتَخِرُّ الينابيع من خلاله؟ أيكسر جمود ظاهره، همساتُ لُبِّه؟  وتلك الحقيقة خلف جلده، متمنّعةٌ غالبة. يُسعَى لها، ويعرقِلُ صراطُها ذو الألف ميل رحلة الوصول. ويتشبّع العقل بالفضول،  حتى يكاد يفتك به. عن ذاك السواد وما بينه وحوله، عن سره.. عن طيّه. وهذا تحدٍّ عَسِر، ولكن خسارته تعصف بالإنسان. وأنا إنسان.. والخسارة تُهلكني.

الرمانة

 وهمست الرمانة في أذني بأن أكتب عنها، كان صوت همسها متداخل مع ضجيج الأمواج الذي يأتي تارة صادحًا، وأخرى مبتعدًا، تساءلت، "أمُلِحّة أنتِ في هذه اللحظة؟"، فذكرتني بهمساتها التي كررت ملاحقتي لأيام، فخضعت، وكانت مسودتي الأولى للرمانة أمام عيون البحر، الذي ما اعتاد أن تُسحب منه الأضواء في حضرته، وأما ما كُتِب فقد وجدته فيما بعد فاضحًا، فهل يليق بالرمانة أن تتكشف قط؟ لذلك عنها وإليها أعيد الكتابة من جديد.. : ما خُفي عن العيون، سيبقى خفيًّا حتى يضمّه القبر، وقد يختصّ الله قلبًا مبصرًا، فيصل إلى ما لم تصله المقلتين، كرُمانة تُخفي بداخلها ما يقارب الألف قصة، بعيدة عن منال كل عين مفتتنة، متوشحة بصلابة لا توحي بما بداخلها، حافظة سرّها لأنه ما يبقيها على قيد الحياة، لأنه ما يصنع منها تلك الرُمانة أمام العيون والأنفس، رُمانةٌ تحترف الحماية والإحتماء، مع كل ما تُضمِره من ظهور طاغٍ ومدوٍ، ما لا يُنال بأيْسَر من الحد الأقصى من السعي. ما إن تصل إلى قلب تلك الرمانة -إذا قُدِّر-، ستُمنح الوصول إلى مكامنها، قصة تلو قصة، سرًّا يتبعه سر، كلها ستنتقل إليك، وهنا فقط ستتفطن أنك للتو قد أدركت الرمانة،...

الفراشة في يدي

 وقال لها الحكيم: بين يديكِ.. تلك الفراشة! موتُها وعيشُها، حُريّتُها وأسرُها.. تلك الفراشة مُقترنة بحركة يديكِ، ترى عبرها، تتنفس من خلالها. أنتِ من بيديكِ أن تسحقيها، وتنتزعي معالم الحياة منها، أو أن تفردي راحة يدكِ مطلقةً إياها لتحلق للحياة. للعيش. لا للبقاء حية بعدد أنفاسها وحسب. . أن تُحبَّ الفراشة، يعني أن تحررها من سجن يديك، أن تَطرب لتراقُصِ أجنحتها في الهواء. لا أن تُبقيها حبيسةَ يدِك، خَنيقة ضِيقها، مختزلًا عالمها كله في كفٍّ أصغر من رغيفةِ خبز. . وفراشتي.. من أجلِها: لن تلمس أصابعي بعضها، ولن تُثنَى عظامها يومًا، وستبقى مفرودة نحو السماء. وإن لم أفِ بذلك، فستغنيني الفراشة عن اليد. أختارها: الفراشة لا اليد! . . Şimdi bakın hayatınıza ve mutluluğunuza... Nerede mi? Açın şimdi avcunuzu... Sizin ellerinizde; tam avcunuzun içinde. والآن انظر إلى حياتك وسعادتك أين هي؟ وافتح الآن يدك هي في يديك، تمامًا في راحة يدك. AVCUNUZDAKİ KELEBEK-

حبة سكر!

كم هو هشٌّ ذلك القلب، ذاك اذي تسكنه الكلمات، وتكسره أخرى! وتجرحه تفاصيل متناهية الصغر، فيسكب نزفه دمًا ودمعًا. كحبة سكر بحجم الذرَّة لما تيبّست أحدثت جرحًا في أنملةٍ فاستمرّ نزفها لأيام.. وهي مجرد حبة سكر!  حبة سكر أحدثت ما يمكن لخنجر إحداثه. وهكذا الحياة، لا تقودها الثوابت في المقاييس والموازين، وهكذا الإنسان تعصف به الأيام عصفًا. يلاطم نفسه كموج هائج، يدافع التيارات كي يتقدم، يتخبط بين الظلمات بحثًا عن بقعة ضوء، يمضي مشيًا وزحفًا، يمنة ويسرة، ذهابًا وعودة، متنقلًا بين الماضي والمستقبل، مارًا بمحطة الحاضر، وفي نهاية المطاف تهزمه حبة سكر عابرة أو ما هو نظيرٌ لها. وكما هو دأب الإنسان في طريق سعيه، تراه مقبلًا على ده قلبه، متعرِّضًا لتلك الجروح التي تجاهد حتى تندمل، فيجدد سفكها. وينسى هو أن كل هذا العذاب، كانت تقف خلفه حبّة سكرٍ لا تكاد تبين، وأما عن تلك السكّرة، فهي لا تعلم القصة التي بدأتها! وهكذا.. وكذا.