المشاركات

مشاركة مميزة

الياقوتيّة

كان ياقوتيًّا.. كزهرة، أماتتها الأيام قبل أن يمتدّ النور إلى جذورها، أسرع من زَفرةِ الإنسان الأولى. ولكنّ موتها أنبت حقولًا مليئة بالحياة، عُمِّرت بدماء بتلاتها،  فكانت ياقوتيّة. كان إيقاعه سريعًا،  زاوج ما بين البداية والنهاية بلمحِ البصر.. ولكنه كان عميقًا بما يكفي ليُنبت قِصّة، ليبني شخصًا، ويهدم شخوصًا كانوا يقيمون بداخلي. كان ياقوتيًّا. كنت أخاله ضعفي ولكنني الآن تفطنت بأنّ وجوده قدّم لي إسنادًا، في لحظة لم تكفِ فيها قدميّ. . ياقُوتيُّ.. يا قُوَّتِيْ! بعد انكساري. ويا انكسار ضلعي،  في لحظة أضحى فيها الشعور عبئًا. "ولي نفسٌ أُورَيها فتزهو كزهر الورد نَدَّوْهُ فهبَّا" -أحمد شوقي

"ولقد آتينا موسى"

واطّلعُ بفؤادي على قصة موسى عليه السلام، الإنسان قبل النبي، فأرى قلبًا بشريًا، يقع عليه ما يقع على غيره، يحاصره الخوف تارة، ويطرقه الغضب أحيانًا، وربما أصابه الندم، ويستمدّ شيئًا من طمأنينة من عونِ أخيه، وبكل إنسانيته حمل ذلك القلب أمانة عظيمة، وحِملًا ثقيلًا، ومقام نبوّةٍ شريف. ذلك القلب الذي تعلّق بدعاء ربه ومناجاته، تلك الدعوات الصادقات التي يتردد صداها بيننا إلى الآن، وتصدح بها ألسنتنا منذ أزمنة عديدة إلى مديدة، وفي كل خطوة يخطوها -ليست بتلك الخطوة الإعتيادية-، بل خطوة نبي، بكل ما فيها من مسؤولية وثقل وهموم وآمال تُعقد ودعوات تسرح في القلب وتنساب على اللسان، يقف موسى رجلًا في مواجهة فرعون وملأه ملكًا، ويعزّه ربه بآيات تهتزّ لها الأجساد، وترهبها الأنفس، لأنك يا موسى، يا سيدنا ونبينا، الأعلى، لأن معك ربك. ومضى مطمئنًا، رغم كل شيء، فلا ضير للأسباب، لأن لها ربًّا يدبرها ويصرفها كيف يشاء. ولأن موسى له ربٌّ -سبحانه-، يشقّ البحر، ويحيي الميت فيسعى حيًّا، ويُحلِل عذابه على من عاداه، ويبرئ عبده بلمح البصر، ويجيب الدعاء ولو طرق باب المستحيلات. فكيف يخشى؟  وأنت يا إنسان، ما ظنك بربك؟

العودة

معلقة بين عودة وارتقاء، يقف قلبي مترقبًا، فتارة يجتذبه الشوق إلى الوراء، وتارة يسحبه الطموح نحو الأمام، وما بين هذا وذاك مسرح واحد يحتضن كل هذه المتضادات، وسؤال حائر في يلوح في العمق، ما إن ألمحه أكاد أغرق في قعر إجابته، فأصمت خوفًا من جبروت الإجابة، وأسلّم لما يمليه عليّ هذا القلب. ترى هل أشتهي استعادته بشكله الحالي؟ أم أنه قلبي يتوق إلى نسخة عتيقة منه ومني فيه؟ هل أحنّ إليه؟  أم أحنّ لماضيّ معه؟ وهل سيحمل لنا الوصال ذات إحساس الألفة الأول؟ أم أنني سأعود غريبة وسيعود هو غريبًا وسنفتتح قصة أخرى؟  وكانت الإجابات تشير بأصابعها من بعيد، في وجوه لم تكبر، توقف بها الزمن إلى ما قبل تسع سنوات. كبرت أنا ولم تكبر.. تركت ديناميكية الحياة أثرها عليّ، ولم تمسّ منهم مقدار ذرة.. لم يكونوا سوى انعكاس لإجابة أخشاها، أو ربما أتجاهلها.. ترى، هل أعارضها؟ والحقيقة أن بداخلي نسخة لم تكبر، احتفظت بها أبعد ما يكون عن هذه تقلبات الحياة، وأعددتها للقاء الجديد، لعلّها تطلّ على الحياة مجددًا أو تشرق فيها الحياة مرة أخرى. تُسائِلني الأحلام، تُملي عليّ حديث نفسي، تخبرني عنّي، وتوقظني على حقائق سئِمَت مخبَ...

ذاكرة الألم

 للألم ذاكرةٌ تغلب الإنسان نفسه، تفتك به، وتغذّيه..  بيدها سطوة العودة بالزمان، والتنازل في العدّ حتى الصفر وما دونه، متنقّلة بكَ بين فصول الماضي، محاصِرة فكرك، مستعيدة عنفوان اللحظة وحيويتها التي كانت مجرد صفحة مطوية في مكان قديم، ولكن تم الزجّ بك بشكل ما هناك من جديد، تركتك تلك الذاكرة تتخبط تخبطك الأول، كأنك تعيش الحدث للوهلة الأولى، تجترّ ألمًا متجذرًا في عمق سحيق منك، تنبش جروحًا لم يكتمل التِئامها، وتختلي أنت والتاريخ والذكرى في غرفة مظلمة، تكون أنت أظلَم ما فيها. الشعور لا يموت، رغم كل الأشياء التي فَنيَت بداخلنا، يبقى الشعور كشاهد قبر، محفور في جوفنا. يهمس قرب أذنك حتى تهتزّ غضاريفها، بأن ذاك الألم الذي لم يقتلك، سيبقى حيًّا فيك، موشومًا في كيانك، وسيترك أثره على عينيك، على بصرك وبصيرتك، وعلى قلبك بلا شك.. سيربّيك. تنص ذاكرة الألم على أنك ستبقى محتفظًا به في أحشائك -أيًّا كان نوعه-، من الصداع وألم الأسنان، إلى كمدٍ يشقّ القلب شَقًّا، سواء أكان طرفًا مبتورًا، أو جزءًا من روحك تم بتره، لأن هذا الإنسان خُلِق ضعيفًا، شاء تصديقًا أم أبى، هذه حكمة خالقه فيه. وقد تختار أيّها ...

أعجوبة هذا الإنسان!

 ما أعقدها!  العلاقات الإنسانية.. يا له من نظام شائك يعجّ بالمتغيّرات. أن يأتي الإنسان بكلّه دفعة واحدة، يأتي بقلبٍ يحمل سنينه، حاضره وأمسه وتطلعاته لغده. قادمٌ بقصته الكاملة، بكسرٍ وجبيرة، وآثار جروح، وأوراق ممزقة من دفاتر الذكرى القديمة، وطفلٍ يعبث بداخله. مندفع بكل قواه نحو الآخر، ذاك الذي تعهّد باحتضان هذا القلب، بتاريخه وما هو عليه وما سيكون عليه، متحفزًا ليكون جزءًا من قصته، وأن يحصل بالمقابل على عهود مماثلة. في هذه الدنيا.. ما  أثقل أن يحمل الإنسان نفسه ويمضي بها مواجهًا الحياة، فما بالك بأن تجد من يحملك معه ويمضي بك ..معك! من أين يستطيع إنسان يعجز عن مواجهة نفسه أن يأتي بشجاعة كهذه؟! أعجوبة هذا الإنسان!

ما وراء المشهد

خلف الكثير من تلك الصور، ما لا يُرى، وما لا يُروى، وما لا نكونه إلّا عندما نبتعد عن نطاق الأعين المُتطفلة، وأحيانًا لا نُخفي المواضع المظلمة منّا فقط، بل نُواري نُورَنا خوفًا عليه من الإنطفاء، خوفًا من أن تخمد حيويته مع التداول البشري، كغيرها من الأمور التي دفنتها التجارب وفوضى العلاقات بداخلنا، فأنشأت حارسًا متيقِّظًا بداخلنا، يحرص على أن لا نتكشَّفَ بكلِّ ما فينا تمامًا، أن لا تُنتهك حقيقتنا على الوجه الذي لا يلائمها. وأحيانًا يكون الإختلاء حاجة، لا لعيب في الآخر؛ بل لأن الروح تحتاج موعدًا فرديًا لها، حتى تهدأ وحسب، أو ربما حتى تنتفض، أو لتحسم أمرًا بقي عالقًا بين الكثير من القضايا العالقة، لأن سرعة الأيام لا بد أن تُبقيك في المنتصف في طُرُق عدّة. ما يُنغِّصُ المرءَ في المنتصف، ويضرم النيران في جوفه، هو كونه يحبسه في منطقة تعجُّ بالأسئلة، مثيرًا فيه رغبة الوصول، ولكن لا جواب يلوح في الأرجاء، ولا حتى إشارةٌ لجواب ينتظر بعيدًا، وهذا المنتصف -ما أبغَضَه!- قد يبقيك متحرِّكًا في دوامة لا تُنذِر بنهاية في الأفق، وطريق بلا وجهة، وانتظار مديد لربيعك الذي تتوق إلى حضوره لإِنقاذكَ من خريفٍ طال...

ما جاوز الإمتلاء

  أشعر أنني ممتلئة.. بالكثير من الكلام الذي لم أقله، وأكثر من الذي لم أكتبه. ضريبة هجران القلم، أن تتراكم الأيام في جوفك، تلك التي ابتلعتها مجبرًا، وتلك التي تلذذت بها، والكلمات تهديك مقعدًا في الذاكرة، وامتيازًا بأن تُبقي الأشياء حية، ولو طواها الزمن في صفحاته، حتى تتجدد التجارب كما كانت عليه في الوهلة الأولى كلما هممت بقراءتها. .. عن غرفة مغلقة في طابق علوي، تعزلني وتجمعني، بي فقط.. عن صرخات لا تمتد إلى رأسي، وأخرى تنطلق منه، عن قلب تعلم أن يختار ما يصعب عليه، حتى لا تصعب عليه نفسه، عن حوارات صامتة تحاصر أذني لبرهة، وعن صمت يُسمعني ألحان الطبيعة، فألمس شمسًا في غروبها مواساة، وقمر في حضوره تشجيع، وشجرٌ في حفيفه ألفة تقمع أي وحشة. .. وحروب صغيرة من أجل الكافيين، تعقبها لذة لحظات الظفر، فاكتفاء واستغناء وكوب قهوة يشاركني الطريق، ربما كان الكوب فكرة، أو امتدادًا لفكرة، أو مصدر نشأة لفكرة أخرى، المهم هو رمزيته، أو ربما إسهامه، أو ربما تريبتته اللطيفة على كتفي.. عذرًا، على رأسي! هي مُرّة ولكنها حُرّة، تحب فرض حقيقتها حتى ولو فُرِضت عليها التحلية تكلفًا، تحفظ لها رونقًا خاصًا لا يتجاوز...