المشاركات

مشاركة مميزة

حداد على شيء لم يحدث

كل الكلمات التي لم تُقَل،  والخطابات التي لم تصدح،  والاعتذارات التي لم يُبَح بها،  والرسائل التي لم ولن تَصِل،  يا أسفًا عليها! واأسفاه على قصة كُتبت ولم تُحيَ! فصول ثكلى تبكي خاتمة لم تُولَد قطّ! أسفٌ مُعتّق بالكثير من الغضب. غضب حُرٍّ ثار على مخيلته، واستغنى عن عتاده. غَلَب غضبُه حزنَه، حتى تماهى في الصورة إلى حدّ الاختفاء. والآن لا حزن ولا غضب ولا أمل، فقط قلم شديد الحذر.. وقلب أعلن الحداد بحلّة بيضاء. ورمادٌ يملأ الأرض معلنًا نهاية نيرانها.  "لم يحدث"  : هذا حداد بحد ذاته.

خندق العِجاف

سبعٌ عجاف ومثلها معًا، في ربيع العمر، والروح تترقب صافرة النهاية، ممعنة في الإجرام جريمةَ ملهوفٍ إلى ضحيته، وما ضحيته إلا هو بنفسه. (ضحيتي الأولى والأخيرة: "أنا"). المغفرة لم تعد مطروحة في الطاولة، والعمر نزال غير معلومةٍ نهايته، لا يُميَّز ربيعه عن خريفه إلا عسيرًا، ومع العسر يسرًا، ومع الخريف ربيع متشبِّث بحياء في بعض أطرافه، مع اختلاف منسوب الحياء بين الإثنين، ولكنهما لا يفترقان، هذا غلبة الظن.  صرخة مكتومة تقيم في الحنجرة، تلك التي تحجّرت، وابتسامة قد شاخت وأصبحت أكثر وقارًا وأقل عمقًا، عبثت بها الأيام وصبغتها كما تشاء، من أصفر إلى أقصى الدرجات دُكنة، كدمٍ خاثر، ونفس راودتها هشاشة كفّتها عن مغالبة الحياة، فالآن، دعها تحلّ كما تشاء. . علّمتني العِجاف أن أنثُر رمادي في البحر، وأراقب الموج يراقصه -بل يغرقه-، دون طرب، دون حداد، دون انتظار عوضٍ مقابل، مجرد طقس تخفّف جسيم، أشعر بعده لثوانٍ أنّي أهوِي مع الريح إلى أرضٍ فارغة، سرعان ما تمتلئ بالمزيد ممّا يُثقل الروح ويصقلها، وهكذا تدور الأيام، تدور أحيانًا كأنها لا تمضي قُدمًا، ولكن كل ذلك الثقل، والأمنيات المؤجلة، وحياة بأكملها ...

كالفرق بين الرواية والشِّعر

 أتَعرِف الفرق بين الرواية والشّعر؟ الرواية تصنع لكَ المشهد، ولكن الشِّعر يمكّنك من أبعاده. قد تشاركك الرواية التفاصيل، ولكن الشّعر سيدخلك إلى عمق التفصيلة وإلى الصورة الكاملة. ستفكك لك الرواية الحدث، وسيفكك الشعر "نفسك". الرواية تعطيك قطع الأحجية، الشعر بيده أن يركّبها أو -إن شاء- بعثرها.. الرواية تخبرك عن حياتك، الشعر يخبرك عنك. الرواية تشرح لكَ كيف يبدو الحب، الشّعر يغوص فيه ويعلنه. في النهاية، ربّما تأخذك الرواية إلى بر الإطمئنان، ولكن الشِّعر يعلّمك الشكّ أيضًا. الرواية تصوّر السبب، والشعر يهديك النتيجة أو ربما باقة تحوي الإثنين معًا. الرواية دراما، والشّعر فلسفة -ربما!- الشعر فكرة، والرواية تقود الطريق إليها. الرواية تدعوك لتعيش، والشِّعر يستميلك لتشعُر. وأنا أشعُر دون أن أعيش.. أنا أشعُر، لا أعيش! تبيّنت الفرق؟ أو يبدو أنه  قد أشكل عليك مرة أخرى، لنعيد...........

غُربة: رسائل من تموز، ما بين ديوجين وسبارتاكوس

لا شيء يُشبهني.. الإعجاب ليس في الصورة حتى! غريبةٌ أتيت.. غريبة مشيت.. غريبة سأمضي، ولست حاملةً شيئًا، لا يوجد ما يعنيني بحق.. غربة في الداخل والخارج معًا، ولا تتعاظم إلا بين الحشود ما بين الغربة والعزلة، لاشيء.. لا شيء بينهما، وتلك كانت محض إشاعة يؤكد لي تموز بحلوله السنوي، أن الوحدة -على عكس ما رُوّج عنها- تعشق الجماعة وتَهاب اللقاءات الفردية.. لقاء القلب والعقل والروح في مسرح جسدٍ واحد تريد أن تقضي على الوحدة إلى الأبد؟ إليكَ غرفة فارغة، وصوت أفكارك، ولسانك الذي يردّ على ترّهاتها، والجدران جمهور من السامعين يحيط بك!  أو هاكَ الغرفة نفسها، ولكن برفقة ورقة وقلم أو كتاب، في موعد عشاء مع كاتب مغمور. ... ليس مساري.. ذلك الذي حدده واحد للجميع، فقط لأن بيده سُلطة أيًّا كان نوعها، ولكن عفوًا سيدي المدير، من يملك السلطة عليّ غيري؟ حتى أنني أملك سؤالي وإجابتي، والآن تنحَّ قليلًا، لأنك تحجب الشمس عنّي يا اسكندر الأكبر! ليس كما تظن. تأتيك العطايا عندما لا تركض نحوها.. وهذا ما لم يقله ديوجين. ... هدّئ من روعك يا صديق، فلست سبارتاكوس، ثوراتي صامتة، بعيدة عن الفوضى، في الوقت الذي تسحبني فيه ال...

الفاتورة

لا أعلم منذ متى بالتحديد بدأتُ أدفع فواتير الحياة، كم يبدو كل شيء كما لو أنك تُضطر إلى خسارة بعض الأشياء عنوةً في سبيل أن تكسب أخرى، أن تتخلى حتى تأخذ، كطبيعة جرَت على الأرض بهيئتها الحالية، هذا العالم يبغض المِنَح المجانية! أما عن الفاتورة، فترتفع بمرور العمر، وتعتاد جوارحك على الدفع طواعية بلا استجواب أو انتباه، حتى تأتيك اللحظة التي تنظر فيها إلى أمنيتك وتعلوكَ ابتسامة مطمئنة، وتمرّ خلف عينيك أشرطة تجسّد كل الخسارات والتضحيات التي بُذِلَت.. تُرى ماذا قدّمت حتى تُحال تلك الأمنية إلى حقيقة؟! وعلى عكس باقي الأسئلة من هذا النوع، فإنَّ هذا السؤال هو الوحيد الذي تمتلك إجابته في أعماقك، ولكن هناك في عمقٍ أبعد، تكمن التساؤلات الأشد فتكًا، هل حقًّا استَحقَّ كل ذلك؟ ماذا لو عُرِض عليك استعادة شيء من الثمن الذي دفعته مقابل التنازل عن هذه المِنحة بشكلها الحالي.. ماذا سيكون اختيارك؟ وهذه الأخرى معضلة اخترعها عقلك ليتلاعب بك.. ما ضير الإنسان إن أسكت عقله وامتنّ لما كان عليه، وما هو عليه الآن، وما سيكون عليه مستقبلًا؟ أما الفاتورة.. ما أقساها أحيانًا! حينما تُسلِّم شيئًا من سلامك بيديك، طمعًا في ا...

لن تصل إلّا بِدعاء

 كل تلك الليالي الثقيلة، التي خاضها قلب محمل بسيل من الدعوات والصرخات التي لم تجد الأمان لنفاذها إلا هناك، في جوف تلك الليالي، على سجادة ابتلّت بدمعٍ حُرّ تناثر على كل ما حوله، كانت تلك الروح أكثر بعثرة من أي شيء حولها، جزعة من وابل الأسئلة المتساقط عليها، متكوّرة على نفسها بحثًا عن عناق، توهمها وحدتها بالبرودة، فتستميت لتدفء نفسها "بنفسها" كما اعتادت، وتمسح دمعها بكفها، وتقوّي قلبها بقلبها، وتطلب العون من الله على كل ذلك. كانت تعلم بأن تلك الدعوات المختبئة بداخلها، الجارية على لسانها، المرافقة لها في لياليها، لم تكن لتخطئ وجهتها، ولكنها فقط تجهل المواعيد والأوقات والموازين، في الحقيقة لم تكن قطّ جيدة في الحساب، ولكن ذلك كان خفيّ عليها، وكل ما خُفِي تعذّبت بانتظاره الروح ولو كان حبورًا. وظلّت تلاحق الدعوات وأحيانًا تلاحقها الدعوات، إلى أن سقط على رأسها يومًا شلال أنعش روحها، جمعها بأمنية الليل المختزنة، كانت ترى تلك الليالي بما فيها تجري أمام عينيها جري العاديات، وسرعان ما تتلاشى وكأنها لم تكن، وكأنها لم تُعاش. لتخبرها بأن ما كان، لم يكن هباءً منثورًا، ولم يضحِ هباءً منثورًا،...

الصفحة الأخيرة لما هو غير مكتمل

الآن وقد أدركت صميم المعضلة التي أرّقتني، قررت إغلاقها بالكامل، على الأقل من طرفي. فقد كنت أرغب ولكن لا أجزم، وكنت أميل ولكنني لا أتوجّه. استندت على طريق معبّد بالإشارات المبهمة، فكِدتُ أن أهوي مرات عديدة. رَضيتُ بالمنتصف الذي لطالما أبغَضَتْهُ روحي، عَلِقتُ في الأسئلة وتفادَيتُ الأجوبة مع تَوَهُّم البحث عنها، وكأنني قد كنت أعيش في كثيب من الاستفهامات والإفادات المؤجلة. أدركت أخيرًا، أنه حتى غياب الإجابة يعتبر إجابة لبعض التساؤلات المستعصية. عندما تستفتِ قلبك ويعجزه الجواب، تأكد أن الإجابة تختبئ هناك، أن تنجو..  أن تنجو. ... جئت الآن لأكتب نهاية كل ذلك. الصفحة الأخيرة تمامًا. تلك التي ستكون الصفحة الوحيدة من الرواية التي تحجز مكانها في الذاكرة، بعد بضع أعوام لن تتذكر سواها، ولن يخطر ببالك سوى سطر الإغلاق الأخير، وبعد عشرين عامًا، ستنسى القصة كأنك لم تعِشها، كحلم حزين اختفى فور استيقاظك! . "لم يفهم أبداً لماذا تنتابه موجة إحساس ما، إحساس يماثل الإستيقاظ من حلم حزين، دون تذكّر أي شيء سوى خاتمته بالكاد." -خالد حسيني