المشاركات

مشاركة مميزة

حداد على شيء لم يحدث

كل الكلمات التي لم تُقَل،  والخطابات التي لم تصدح،  والاعتذارات التي لم يُبَح بها،  والرسائل التي لم ولن تَصِل،  يا أسفًا عليها! واأسفاه على قصة كُتبت ولم تُحيَ! فصول ثكلى تبكي خاتمة لم تُولَد قطّ! أسفٌ مُعتّق بالكثير من الغضب. غضب حُرٍّ ثار على مخيلته، واستغنى عن عتاده. غَلَب غضبُه حزنَه، حتى تماهى في الصورة إلى حدّ الاختفاء. والآن لا حزن ولا غضب ولا أمل، فقط قلم شديد الحذر.. وقلب أعلن الحداد بحلّة بيضاء. ورمادٌ يملأ الأرض معلنًا نهاية نيرانها.  "لم يحدث"  : هذا حداد بحد ذاته.

لا الذاكرة دواءٌ ولا النسيان

 تؤلمني الذاكرة أحيانًا، تطوّقني حسرة على إبتسامات أعمق، ورأس أخفّ، ورئة قادرة على التنفس حد الإمتلاء، ونفس لا تتوق لاشتهاءٍ  بعيد المنال، وعين تُظهِر نفسها باحتفاء، ولا تُخفي خلفها وجوه مكسورة تتوارى اضطرابًا من انكشاف فاضح.. إن تلك الذكريات ومشاهدها، ليست من حزنٍ في شيء، بل يتشكّل فيها شيء من حظٍّ باسم أنْ كانت يومًا واقعًا يُعاش، ولكن خلاصة البؤس الإنساني تسكن في: نظرة بعيدة، وطيف مودّع لا تُرجى له عودة، وإنسان قد كان متكامل الأجزاء لا يشكو فقدًا، وهذا الإنسان اليوم كل ما مضى مُسابقًا أيامه، تآكلت أجزاؤه وضاع شيء منه في الطريق. قُل لي إذًا ما الذي تبقى منه؟ وهل يكفي لعيشٍ قادم؟ . ليس الحزن في الذكرى، بل في قسوة الذاكرة وهي تخبرك أنّك كنت، ولن تعود. أنّك بإنسانك الحالي لا تأسى على حالك، ولكن إنسانك السابق هو الذي يفعل. أو ربما إنسانك القادم، ليس لقلة نجاحٍ منك أو سعي، بل لأنك لم تعُد "تعيش" كما كنت -أو كما صرت، إذا حالفك الحظ السعيد في زمن لاحق-.  في كل الأحوال لعبة العقل لا فوز فيها وخسرانها مبين، فلا تسلّم نفسك.

الخطيئة

وأنتَ يا قلبُ؛ أنت خطيئتي وأنت يا عقلُ... متواطئٌ فيها. فحياة الإنسان على هذه البسيطة؛ هي نِتاج خطيئةٍ أولى. ومماته نهاية سلسلة من الخطايا. وما الخطيئة؟ الخطيئة: ما أحببتَ؛ فحمَلَك على الخطأ. الخطيئةُ ما ظُلِمَت بهِ روحك. الخطيئة أنّكَ إنسان، تحيَا بها، معها، تبغضها وتطرق بابها. الخطيئة أن شُطِر من كل شيءٍ ما يخطِّؤه.. الخطيئة أن جُعِلَت الفضيلة خطيئة! والمغفرة؟ تلك في الفصل الأخير.

خندق العِجاف

سبعٌ عجاف ومثلها معًا، في ربيع العمر، والروح تترقب صافرة النهاية، ممعنة في الإجرام جريمةَ ملهوفٍ إلى ضحيته، وما ضحيته إلا هو بنفسه. (ضحيتي الأولى والأخيرة: "أنا"). المغفرة لم تعد مطروحة في الطاولة، والعمر نزال غير معلومةٍ نهايته، لا يُميَّز ربيعه عن خريفه إلا عسيرًا، ومع العسر يسرًا، ومع الخريف ربيع متشبِّث بحياء في بعض أطرافه، مع اختلاف منسوب الحياء بين الإثنين، ولكنهما لا يفترقان، هذا غلبة الظن.  صرخة مكتومة تقيم في الحنجرة، تلك التي تحجّرت، وابتسامة قد شاخت وأصبحت أكثر وقارًا وأقل عمقًا، عبثت بها الأيام وصبغتها كما تشاء، من أصفر إلى أقصى الدرجات دُكنة، كدمٍ خاثر، ونفس راودتها هشاشة كفّتها عن مغالبة الحياة، فالآن، دعها تحلّ كما تشاء. . علّمتني العِجاف أن أنثُر رمادي في البحر، وأراقب الموج يراقصه -بل يغرقه-، دون طرب، دون حداد، دون انتظار عوضٍ مقابل، مجرد طقس تخفّف جسيم، أشعر بعده لثوانٍ أنّي أهوِي مع الريح إلى أرضٍ فارغة، سرعان ما تمتلئ بالمزيد ممّا يُثقل الروح ويصقلها، وهكذا تدور الأيام، تدور أحيانًا كأنها لا تمضي قُدمًا، ولكن كل ذلك الثقل، والأمنيات المؤجلة، وحياة بأكملها ...

كالفرق بين الرواية والشِّعر

 أتَعرِف الفرق بين الرواية والشّعر؟ الرواية تصنع لكَ المشهد، ولكن الشِّعر يمكّنك من أبعاده. قد تشاركك الرواية التفاصيل، ولكن الشّعر سيدخلك إلى عمق التفصيلة وإلى الصورة الكاملة. ستفكك لك الرواية الحدث، وسيفكك الشعر "نفسك". الرواية تعطيك قطع الأحجية، الشعر بيده أن يركّبها أو -إن شاء- بعثرها.. الرواية تخبرك عن حياتك، الشعر يخبرك عنك. الرواية تشرح لكَ كيف يبدو الحب، الشّعر يغوص فيه ويعلنه. في النهاية، ربّما تأخذك الرواية إلى بر الإطمئنان، ولكن الشِّعر يعلّمك الشكّ أيضًا. الرواية تصوّر السبب، والشعر يهديك النتيجة أو ربما باقة تحوي الإثنين معًا. الرواية دراما، والشّعر فلسفة -ربما!- الشعر فكرة، والرواية تقود الطريق إليها. الرواية تدعوك لتعيش، والشِّعر يستميلك لتشعُر. وأنا أشعُر دون أن أعيش.. أنا أشعُر، لا أعيش! تبيّنت الفرق؟ أو يبدو أنه  قد أشكل عليك مرة أخرى، لنعيد...........

غُربة: رسائل من تموز، ما بين ديوجين وسبارتاكوس

لا شيء يُشبهني.. الإعجاب ليس في الصورة حتى! غريبةٌ أتيت.. غريبة مشيت.. غريبة سأمضي، ولست حاملةً شيئًا، لا يوجد ما يعنيني بحق.. غربة في الداخل والخارج معًا، ولا تتعاظم إلا بين الحشود ما بين الغربة والعزلة، لاشيء.. لا شيء بينهما، وتلك كانت محض إشاعة يؤكد لي تموز بحلوله السنوي، أن الوحدة -على عكس ما رُوّج عنها- تعشق الجماعة وتَهاب اللقاءات الفردية.. لقاء القلب والعقل والروح في مسرح جسدٍ واحد تريد أن تقضي على الوحدة إلى الأبد؟ إليكَ غرفة فارغة، وصوت أفكارك، ولسانك الذي يردّ على ترّهاتها، والجدران جمهور من السامعين يحيط بك!  أو هاكَ الغرفة نفسها، ولكن برفقة ورقة وقلم أو كتاب، في موعد عشاء مع كاتب مغمور. ... ليس مساري.. ذلك الذي حدده واحد للجميع، فقط لأن بيده سُلطة أيًّا كان نوعها، ولكن عفوًا سيدي المدير، من يملك السلطة عليّ غيري؟ حتى أنني أملك سؤالي وإجابتي، والآن تنحَّ قليلًا، لأنك تحجب الشمس عنّي يا اسكندر الأكبر! ليس كما تظن. تأتيك العطايا عندما لا تركض نحوها.. وهذا ما لم يقله ديوجين. ... هدّئ من روعك يا صديق، فلست سبارتاكوس، ثوراتي صامتة، بعيدة عن الفوضى، في الوقت الذي تسحبني فيه ال...

الفاتورة

لا أعلم منذ متى بالتحديد بدأتُ أدفع فواتير الحياة، كم يبدو كل شيء كما لو أنك تُضطر إلى خسارة بعض الأشياء عنوةً في سبيل أن تكسب أخرى، أن تتخلى حتى تأخذ، كطبيعة جرَت على الأرض بهيئتها الحالية، هذا العالم يبغض المِنَح المجانية! أما عن الفاتورة، فترتفع بمرور العمر، وتعتاد جوارحك على الدفع طواعية بلا استجواب أو انتباه، حتى تأتيك اللحظة التي تنظر فيها إلى أمنيتك وتعلوكَ ابتسامة مطمئنة، وتمرّ خلف عينيك أشرطة تجسّد كل الخسارات والتضحيات التي بُذِلَت.. تُرى ماذا قدّمت حتى تُحال تلك الأمنية إلى حقيقة؟! وعلى عكس باقي الأسئلة من هذا النوع، فإنَّ هذا السؤال هو الوحيد الذي تمتلك إجابته في أعماقك، ولكن هناك في عمقٍ أبعد، تكمن التساؤلات الأشد فتكًا، هل حقًّا استَحقَّ كل ذلك؟ ماذا لو عُرِض عليك استعادة شيء من الثمن الذي دفعته مقابل التنازل عن هذه المِنحة بشكلها الحالي.. ماذا سيكون اختيارك؟ وهذه الأخرى معضلة اخترعها عقلك ليتلاعب بك.. ما ضير الإنسان إن أسكت عقله وامتنّ لما كان عليه، وما هو عليه الآن، وما سيكون عليه مستقبلًا؟ أما الفاتورة.. ما أقساها أحيانًا! حينما تُسلِّم شيئًا من سلامك بيديك، طمعًا في ا...