إنني الآن في عنق الزجاجة، تتصارع النقائض في رأسي بضراوة، وتُنازع أفواج أسئلةٍ باستماتة للحصول على أجوبتها.. وأنا في مكاني، في خضم كل هذا، أحاول أن أتنفس وأستعيد شيئًا من سكوني، سكونٌ بادٍ في محيّاي بكل وضوح، ولكن خلف هيكل هذا المحيّى تختبئ أعتى الحروب، ضجيج لا يضاهيه شيءٌ في هذا العالم الذي لا يهدأ. أصطدم بعواصف نابعة من جوفي، أعجز عن تحديد ماهيّتها أو حتى بُنيتها، أَحقائقٌ هي أم محض وساوس؟ هل أزداد بها معرفة بنفسي؟ أم تتوسع الفجوة بيني وبينها فأجهلها، أيّ منها هي حقيقتي؟ أي منها تمثل جوهري ونزعاتي؟ وهكذا دواليك.. أستمرّ بطرح الأسئلة ببراعةِ من أكسبته السنون خبرة وعلمًا وفيرًا في مجاله، أما عن الأسئلة.. فتبقى دون أجوبة، التغيير الوحيد الذي يحدث حيالها هو أن يصيبني السأم تجاهها فأترك حبالها وأمضي بأسئلة أخرى، وكلما لوّحت لي "نهايةٌ" من بعيد، أسقط في بدايات أخرى ومقدمات لأمور مخبوءة، متروكة للزمان الآتي. ومؤخرًا لا أنفك أذكر تلك المهارة التي أكسبتنيها الأيام الخالية، مهارة "التخلي\الترك"، وتستمرّ قائمة "ما هو غير مرغوب عندي" بالتنامي كوحش يلتهم كل ما حوله، ...
خلف الكثير من تلك الصور، ما لا يُرى، وما لا يُروى، وما لا نكونه إلّا عندما نبتعد عن نطاق الأعين المُتطفلة، وأحيانًا لا نُخفي المواضع المظلمة منّا فقط، بل نُواري نُورَنا خوفًا عليه من الإنطفاء، خوفًا من أن تخمد حيويته مع التداول البشري، كغيرها من الأمور التي دفنتها التجارب وفوضى العلاقات بداخلنا، فأنشأت حارسًا متيقِّظًا بداخلنا، يحرص على أن لا نتكشَّفَ بكلِّ ما فينا تمامًا، أن لا تُنتهك حقيقتنا على الوجه الذي لا يلائمها. وأحيانًا يكون الإختلاء حاجة، لا لعيب في الآخر؛ بل لأن الروح تحتاج موعدًا فرديًا لها، حتى تهدأ وحسب، أو ربما حتى تنتفض، أو لتحسم أمرًا بقي عالقًا بين الكثير من القضايا العالقة، لأن سرعة الأيام لا بد أن تُبقيك في المنتصف في طُرُق عدّة. ما يُنغِّصُ المرءَ في المنتصف، ويضرم النيران في جوفه، هو كونه يحبسه في منطقة تعجُّ بالأسئلة، مثيرًا فيه رغبة الوصول، ولكن لا جواب يلوح في الأرجاء، ولا حتى إشارةٌ لجواب ينتظر بعيدًا، وهذا المنتصف -ما أبغَضَه!- قد يبقيك متحرِّكًا في دوامة لا تُنذِر بنهاية في الأفق، وطريق بلا وجهة، وانتظار مديد لربيعك الذي تتوق إلى حضوره لإِنقاذكَ من خريفٍ طال...
واطّلعُ بفؤادي على قصة موسى عليه السلام، الإنسان قبل النبي، فأرى قلبًا بشريًا، يقع عليه ما يقع على غيره، يحاصره الخوف تارة، ويطرقه الغضب أحيانًا، وربما أصابه الندم، ويستمدّ شيئًا من طمأنينة من عونِ أخيه، وبكل إنسانيته حمل ذلك القلب أمانة عظيمة، وحِملًا ثقيلًا، ومقام نبوّةٍ شريف. ذلك القلب الذي تعلّق بدعاء ربه ومناجاته، تلك الدعوات الصادقات التي يتردد صداها بيننا إلى الآن، وتصدح بها ألسنتنا منذ أزمنة عديدة إلى مديدة، وفي كل خطوة يخطوها -ليست بتلك الخطوة الإعتيادية-، بل خطوة نبي، بكل ما فيها من مسؤولية وثقل وهموم وآمال تُعقد ودعوات تسرح في القلب وتنساب على اللسان، يقف موسى رجلًا في مواجهة فرعون وملأه ملكًا، ويعزّه ربه بآيات تهتزّ لها الأجساد، وترهبها الأنفس، لأنك يا موسى، يا سيدنا ونبينا، الأعلى، لأن معك ربك. ومضى مطمئنًا، رغم كل شيء، فلا ضير للأسباب، لأن لها ربًّا يدبرها ويصرفها كيف يشاء. ولأن موسى له ربٌّ -سبحانه-، يشقّ البحر، ويحيي الميت فيسعى حيًّا، ويُحلِل عذابه على من عاداه، ويبرئ عبده بلمح البصر، ويجيب الدعاء ولو طرق باب المستحيلات. فكيف يخشى؟ وأنت يا إنسان، ما ظنك بربك؟
تعليقات
إرسال تعليق