كثيرا ما نتمنى حياة أخرى مختلفة تماماً عن تلك التي نعيشها ، و حينما يتغير كل شيء نود استرجاع كل شيء بشدة و الهروب إلى ماضٍ رحلنا عنه بأرجلنا ! تقلبات إنسان ؟
سبعٌ عجاف ومثلها معًا، في ربيع العمر، والروح تترقب صافرة النهاية، ممعنة في الإجرام جريمةَ ملهوفٍ إلى ضحيته، وما ضحيته إلا هو بنفسه. (ضحيتي الأولى والأخيرة: "أنا"). المغفرة لم تعد مطروحة في الطاولة، والعمر نزال غير معلومةٍ نهايته، لا يُميَّز ربيعه عن خريفه إلا عسيرًا، ومع العسر يسرًا، ومع الخريف ربيع متشبِّث بحياء في بعض أطرافه، مع اختلاف منسوب الحياء بين الإثنين، ولكنهما لا يفترقان، هذا غلبة الظن. صرخة مكتومة تقيم في الحنجرة، تلك التي تحجّرت، وابتسامة قد شاخت وأصبحت أكثر وقارًا وأقل عمقًا، عبثت بها الأيام وصبغتها كما تشاء، من أصفر إلى أقصى الدرجات دُكنة، كدمٍ خاثر، ونفس راودتها هشاشة كفّتها عن مغالبة الحياة، فالآن، دعها تحلّ كما تشاء. . علّمتني العِجاف أن أنثُر رمادي في البحر، وأراقب الموج يراقصه -بل يغرقه-، دون طرب، دون حداد، دون انتظار عوضٍ مقابل، مجرد طقس تخفّف جسيم، أشعر بعده لثوانٍ أنّي أهوِي مع الريح إلى أرضٍ فارغة، سرعان ما تمتلئ بالمزيد ممّا يُثقل الروح ويصقلها، وهكذا تدور الأيام، تدور أحيانًا كأنها لا تمضي قُدمًا، ولكن كل ذلك الثقل، والأمنيات المؤجلة، وحياة بأكملها ...
واطّلعُ بفؤادي على قصة موسى عليه السلام، الإنسان قبل النبي، فأرى قلبًا بشريًا، يقع عليه ما يقع على غيره، يحاصره الخوف تارة، ويطرقه الغضب أحيانًا، وربما أصابه الندم، ويستمدّ شيئًا من طمأنينة من عونِ أخيه، وبكل إنسانيته حمل ذلك القلب أمانة عظيمة، وحِملًا ثقيلًا، ومقام نبوّةٍ شريف. ذلك القلب الذي تعلّق بدعاء ربه ومناجاته، تلك الدعوات الصادقات التي يتردد صداها بيننا إلى الآن، وتصدح بها ألسنتنا منذ أزمنة عديدة إلى مديدة، وفي كل خطوة يخطوها -ليست بتلك الخطوة الإعتيادية-، بل خطوة نبي، بكل ما فيها من مسؤولية وثقل وهموم وآمال تُعقد ودعوات تسرح في القلب وتنساب على اللسان، يقف موسى رجلًا في مواجهة فرعون وملأه ملكًا، ويعزّه ربه بآيات تهتزّ لها الأجساد، وترهبها الأنفس، لأنك يا موسى، يا سيدنا ونبينا، الأعلى، لأن معك ربك. ومضى مطمئنًا، رغم كل شيء، فلا ضير للأسباب، لأن لها ربًّا يدبرها ويصرفها كيف يشاء. ولأن موسى له ربٌّ -سبحانه-، يشقّ البحر، ويحيي الميت فيسعى حيًّا، ويُحلِل عذابه على من عاداه، ويبرئ عبده بلمح البصر، ويجيب الدعاء ولو طرق باب المستحيلات. فكيف يخشى؟ وأنت يا إنسان، ما ظنك بربك؟
خلف الكثير من تلك الصور، ما لا يُرى، وما لا يُروى، وما لا نكونه إلّا عندما نبتعد عن نطاق الأعين المُتطفلة، وأحيانًا لا نُخفي المواضع المظلمة منّا فقط، بل نُواري نُورَنا خوفًا عليه من الإنطفاء، خوفًا من أن تخمد حيويته مع التداول البشري، كغيرها من الأمور التي دفنتها التجارب وفوضى العلاقات بداخلنا، فأنشأت حارسًا متيقِّظًا بداخلنا، يحرص على أن لا نتكشَّفَ بكلِّ ما فينا تمامًا، أن لا تُنتهك حقيقتنا على الوجه الذي لا يلائمها. وأحيانًا يكون الإختلاء حاجة، لا لعيب في الآخر؛ بل لأن الروح تحتاج موعدًا فرديًا لها، حتى تهدأ وحسب، أو ربما حتى تنتفض، أو لتحسم أمرًا بقي عالقًا بين الكثير من القضايا العالقة، لأن سرعة الأيام لا بد أن تُبقيك في المنتصف في طُرُق عدّة. ما يُنغِّصُ المرءَ في المنتصف، ويضرم النيران في جوفه، هو كونه يحبسه في منطقة تعجُّ بالأسئلة، مثيرًا فيه رغبة الوصول، ولكن لا جواب يلوح في الأرجاء، ولا حتى إشارةٌ لجواب ينتظر بعيدًا، وهذا المنتصف -ما أبغَضَه!- قد يبقيك متحرِّكًا في دوامة لا تُنذِر بنهاية في الأفق، وطريق بلا وجهة، وانتظار مديد لربيعك الذي تتوق إلى حضوره لإِنقاذكَ من خريفٍ طال...
تعليقات
إرسال تعليق