الفاتورة

لا أعلم منذ متى بالتحديد بدأتُ أدفع فواتير الحياة، كم يبدو كل شيء كما لو أنك تُضطر إلى خسارة بعض الأشياء عنوةً في سبيل أن تكسب أخرى، أن تتخلى حتى تأخذ، كطبيعة جرَت على الأرض بهيئتها الحالية، هذا العالم يبغض المِنَح المجانية!
أما عن الفاتورة، فترتفع بمرور العمر، وتعتاد جوارحك على الدفع طواعية بلا استجواب أو انتباه، حتى تأتيك اللحظة التي تنظر فيها إلى أمنيتك وتعلوكَ ابتسامة مطمئنة، وتمرّ خلف عينيك أشرطة تجسّد كل الخسارات والتضحيات التي بُذِلَت.. تُرى ماذا قدّمت حتى تُحال تلك الأمنية إلى حقيقة؟!
وعلى عكس باقي الأسئلة من هذا النوع، فإنَّ هذا السؤال هو الوحيد الذي تمتلك إجابته في أعماقك، ولكن هناك في عمقٍ أبعد، تكمن التساؤلات الأشد فتكًا، هل حقًّا استَحقَّ كل ذلك؟ ماذا لو عُرِض عليك استعادة شيء من الثمن الذي دفعته مقابل التنازل عن هذه المِنحة بشكلها الحالي.. ماذا سيكون اختيارك؟ وهذه الأخرى معضلة اخترعها عقلك ليتلاعب بك..
ما ضير الإنسان إن أسكت عقله وامتنّ لما كان عليه، وما هو عليه الآن، وما سيكون عليه مستقبلًا؟

أما الفاتورة.. ما أقساها أحيانًا!
حينما تُسلِّم شيئًا من سلامك بيديك، طمعًا في المزيد مما سيمنحه لك هذا العالم، ذاك الذي علمك هذه المرة أن تبدأ بالحساب بنفسك، أن تحسب الفاتورة، وتوازن المدخلات والمخرجات، وتستخرج القيمة التي تريد بأعلى كفاءة، حسابات ظللت تتجاهلها من عمرك سنين، سيأتي عمرٌ قادم تقضيه بالحساب، أو تقضيه بالدفع بلا تكافؤ.
من خسرته بالأمس كان أنت، ولكن ما أنت عليه اليوم هو أيضًا أنت وقد انسلختَ من سابقك، وهكذا الدنيا، سترى أنك، في حينٍ كنت تقاتل وحيدًا للحفاظ على نسخة واحدة منك، ولكنك في كل مرحلة كنت تتعلم أيضًا أن تصنع نسخة جديدة منك، حتى ملامحك قد تفشل في الحفاظ عليها تمامًا كما هي مع تقدّم العمر، وكل تلك الإضافات، لم تجعل منك إنسانًا آخر، بل نسخة جديدة محدّثة من نفسك، ربما لا تشبهك كثيرًا ولكنها أنت، بتلك النظارة التي أصبحت تقيم أمام عينيك، بقصّة شعرك المختلفة، وبتغيّر نبرة صوتك ولهجتك، والندوب على يدك، ستنظر إلى "أنت القديم" ولكن هذه المرة دون أن تُحرَج منه، أو تشتاق إلى بساطته -غير أنك قد تشتاق إلى يُسر الحياة في أيامه-، بل لتمتنّ له وتشكره، وتتوهم منه امتنانًا صامتًا لأنك (بما أنت عليه اليوم) حققت أمنيات ذلك الساذج!
وماذا عن فاتورة هذا الشهر؟
-اممم.. أؤجّلها للشهر القادم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عنق الزجاجة

"ولقد آتينا موسى"

ما وراء المشهد