المشاركات

أما آن الأوان يا قلب ؟

أما آن الأوان يا قلب .. لتعتزل كل ما يؤذيك .. لتتوقف عن العفو عن جلاديك في كل مرة باستسلام تام .. لتتصرف بأنانية ولو لمرة واحدة في العمر . تسعى لإرضائهم بكل ما أوتيت من مقدرة، ولست في أعينهم سوى وسيلة لنيل مبتغاهم .. لست سوى تذكرة عبور تنتهي صلاحيتها بمجرد الوصول إلى الوجهة المنشودة، وليس من حاجة لأعلمك بمآل هذه التذكرة فيما بعد ! تسرف في الكرم وكثيره مستقبح، فتقعد ملوماً محسوراً، يسهلكواْ كل ما فيك دون رحمة، وتتخبط أنت خلف ظلالهم، لست مرئياً لهم ولا حتى محسوساً، لماذا ؟ لأنك ضاءلت نفسك في كل مرة عدت فيها للإحتماء خلف ظلالهم، ولست بحاجة إليها، كلها نتائج خطاياك، فمتى ستدرك ما أنت فيه .. متى أوان اليقظة ؟ أتأملك يا قلب بلوعة، أتأمل أنقاضك وبقاياك التي خلفوها وراءهم، وأتأمل ضحكاتهم التي لا تنجلي، وأتعجب من حال هذه الدنيا وأهلها، فكيف يمتلك أولئك الذين تعدهم أنت كل الحياة حياةً أنت لست جزءاً منها ؟ كيف يستطيع المرء أن يحيا على حطام إنسان آخر، إنسان كانت خطيئته الوحيدة أنه أحبّ بصدق، وقدّم كل ما تستطيعه جوارحه في سبيل هذه المحبة، في سبيل تغذية هذا الودّ، وفي سبيل تخليد السعادة في قلوب أحبا...

بعثرة : نقطة الصفر

و ابتعدت عن ذاتي كثيراً .. و عدنا كأغراب من جديد ، و لم أدرك ذلك حتى اللحظة التي فطنت فيها إلى عمق ذلك الشرخ الذي استجدّ بيننا ، بيني و بين قلبي ، فقلبي كان يهوى و كنت أنا أمتنع ، حتى صارت الفجوة بيننا تعادل ما بين المشرق و المغرب من مدى !  و حينها فقط تمنيت العودة ، هلعت من ماهية هذه النفس التي تتقلب و لا تبقى على حال ، تلك النفس التي تتقاذفها الأحداث يُمنة و يُسرة ، فتتشوه ملامحها و تضيع معالمها ، و أضيع أنا في متاهتها و أعلق في دوامتها ، لتعصف بي الأسئلة من كل اتجاه ؛ ذات الأسئلة التي ابتدأت بها ، و ما أكثر البدايات ، و ما أكثر السقطات التي تعيدنا إليها من جديد ! كل مرة أخال فيها أنني تقدمت أعود إلى نقطة البدء من جديد .. نقطة الـ"ماذا؟" ، و أتطلع حينها للإجابة الشافية التي تخلصني من جحيم الحيرة القاسي ، و تفرِّغ الكمّ الهائل من الأسئلة الذي يضغط على ضلوعي كجاثوم يضاهي في ثقله الجبال .  ما أقسى أن تعود غريباً لا تفهم نفسك ، ما أقسى العودة إلى نقطة الصفر ، و ما أقسى هذه الحياة التي تنسينا أنّ بداخلنا روحٌ بحاجة إلى التفاتة . ماذا أريد؟ ماذا أحب؟ ماذا أتمنى؟ ماذا أُبغض؟  ...

بكينا كثيراً ثم ..

اللحظات التي تلي انفجار شلال من البكاء .. هي اللحظات الأقسى على الإطلاق .. أقسى من الغرق بطوفان الدمع .. تقع فيها في حالة أشبه ما يكون بالموت .. بل أشبه من الموت بالموت ! تتجول كروح عليلة بلا جسد .. فاقداً التواصل مع أي شيء أو أحد قد يصلك بالحياة .. لا تشعر بأي شيء .. لا رغبة و لا تفسير و لا تفكير حتى .. لا شيء سوى رأس معطوب تكاد تخرّ من ثقله .. كل شيء يأتي ثقيلاً عليك .. تنتظر عودة الحياة من جديد ربما .. أو لا تنتظر شيئاً إطلاقاً .. أنت كما أنت لا يتغير فيك شيء .. تصاب بداء الثبات لأول مرة في حياتك .. عند مماتك المؤقت ذاك .. ثابت على الجمود .. جامد على السكون . لا حركة .. لا شعور .. لا حياة .. لا قلب ينبض .. نعم ، لا تعود لك القدرة على الإحساس بنبضك كما في السابق ، حتى ذلك الإمتياز فقدته .. ثم .. تبحث عن ماذا ؟ عن ذلك الضوء في آخر النفق .. هل هو حق ؟هل له وجود ، أم أنه هراء آخر يضاف إلى كومة الهراء التي يلقيها الوَرديّون من البشر . لم تعهد يوماً أنك ستقع في سوداوية موحشة إلى هذا الحد أليس كذلك .. يبدو الأمر مفاجئاً ، هل هو ما يسمونه الإكتئاب .. لا تبدو متيقناً من ذلك .. إذن ما هو هذا ...

فضفضة : مرحبا بك في دنيانا !

 في لحظة خانقة من الزمان .. أود فيها أن أهرب بعيداً .. إلى الجبال ربما أو السماوات .. إلى أبعد نقطة ممكنة ، لأتحرر من كل شيء . و في لحظة أتملص فيها من كل مسؤولياتي المضطربة و من كل عذر يقوّض حريتي ، لأعتنق التنفس من جديد ، لأكون أنا ، و أكون أنا كل شيء ، لأهذي و أكتب و أدندن ، أو لأمارس الصمت بلا هوادة ، لأختلي بروحي اليتيمة و أعطيها الأبوة و الأمومة ، لتجمعني المؤاخاة مع أوراق الشجر ، مع قطرات المطر ، مع ذرات الرمل ، و لأحلق مع السحاب بعيداً عن أي مما يخص البشر . أما في واقعي ، فينتشلني الخيال في كل مرة تكاد تغرقني الحوادث ، يساعدني على التعافي شيئاً فشيئاً ، يسافر بي إلى أرض الوطن و الجنان العلى ، يجمعني بمن أحب ، و يقحمني في رواية أكون أحد شخوصها أو جلّهم ، لأجسد ملحمة أخرى تختلف عن تلك التي أزاولها على أرض الواقع . يراودني تساؤل عميق .. لماذا نتوق للوصول إلى الحقيقة و التنقيب عنها في حين ، و نودّ الهروب منها و التخلص من أغلالها في حين آخر ؟ حقاً لماذا ؟ لماذا نعيش حياتان و نضيع بينهما ؟ لماذا نستدعي الماضي و نسمح له باستدعائنا في كثير من الأوقات ، حتى ندرك عنوة أننا نهدر حاضرنا...

تأملات في الموت

  عجيبٌ هو أمر الحياة .. و الأعجب هو الموت ! الموت الذي ربما يطاردك شبحه بضع مرات خلال يومك و نومك ، أو يتكرر عليك ذكره كثيراً من الأحيان ، تدفعه من رأسك دوماً بحجة انخراطك في أمور محياك ، و تدفعك الحياة في مرحلة ما من الطريق إلى تمنيه كراحة طويلة الأمد ، و تخال نفسك ربما أنك في أتمّ جاهزيتك لإستقباله ، و إن ما لوّح لك إذ أنت مذعور لا استعداد لك لملاقاته ، هناك من فكّر فيه مراراً ، و خطفه في لحظة غفل عقله فيها عنه . أمور متناقضات متشابهات ، و يبقى الموت مصيراً مجهولاً في أذهاننا ، لا نعلم أوانه و لا كيفيته ولا حتى ماهيته ، لا نعلم الكثير عنه إلا ما ذكره لنا ربنا في محكم تنزيله ،  مرتبط بمعان مظلمة و مشاعر عبوسة ، المصير الأوحد الذي يجمع كل البشر. ماذا يعني .. أن نموت ؟  أن نُفقَد .. أن ننتهي .. أن يفنى ذكرنا .. أن يغيّم الشجن حول أجسادنا البالية و تمطر سماؤه دموعاً دافئة .. أن تصبح الأرض موطناً يحتضن ما تبقى منا إلى ما هو آت .. أن نقترب من الوصول شيئاً فشيئاً لوجهتنا الأبدية .. إما جنة أو نار . أما عن أحوال الدنيا بعدنا ، فسنصبح صورة معلقة على حائط الذكريات ، تلك الذكريات...

صرخة

صرخت منادية اياه : " يا بني ، لا تنسى أن تشرب الكثير من الماء ، لقد وضعت لك شطيرة في الجيب الأصغر من الحقيبة ، إلى اللقاء" ودعته بعد أن طبعت على جبينه قبلة متناهية الرقة و الحب و الفخر بصغيرها الذي سيخطو أول خطوة بمفرده إلى طريق العلم و الدراسة ، ودعته و لم تكن تعلم ماهية وداعها ، و لم تشعر بأي معنى آخر لهذا الوداع سوى أنه باعث للسرور في نفسها ، و مضت تهنئ نفسها على نجاحٍ آخر مستحقٍ في اختبار أمومتها ، فقد أرسلت ابنها الوحيد إلى مقاعد الدراسة ليلتحق ببقية الأطفال من بني سنه ، و لتحظى نحلتها الصغيرة برشفة من رحيق المعرفة ، هذا ما خالته على الأقل .. فالقدر لا يسأل عن دواخلنا و لا يمضي بها ، القدر مكتوب لنا على نحو لا نتوقعه و لا نستطيع تخمينه .. و هذا هو ضعفنا الكبير و عجزنا الأكبر . و بعد سويعات من الشوق ، اكتمل تجهيز غداء أول يوم دراسي و الذي حضرته بشغف و هي تنتظر أن يطرق الباب في أي لحظة ، ذلك الطفل الضئيل الذي لا تصل يداه إلى الجرس ، و لكنه تأخر كثيراً .. انتظرت .. لربما واجهوا مشكلة في الحافلة ، لربما تم اضافة حصة دراسية أخرى إلى الجدول المدرسي ، بدأ قلبها يخفق بسرعة ، و ب...

التاريخ .

صورة
  نشعر في لحظات أن التاريخ يشبعنا ألماً .. و لكن يجب أن نعي تماماً ارتباطنا بكل مكوناته ، فهذا التاريخ الذي طوينا صفحته آبين نسيانه أو راغبين بلا مقدرة ، هو صانع حاضرنا و مرآة مستقبلنا ، و هو ماضٍ ملازمٌ لنا ، هو تاريخ في طريقه لكتابة تاريخ جديد ، يستعين به زعماء ٌ أحياناً لإعادة تطبيقه من جديد ، و يعيد السلوك البشري نسخ نفسه كما عهدناه من الأولين ، و يحاول بعض المتربصين طمسه ، أو تزييفه في أحيان نادرة ، هم مجرد لصوص أرقام ليس بيدهم إلا اقتياد بعض العُمي إلى سطورهم الوهمية و جرّهم إلى بوابة التبعية المليئة بالقذارة . هو التاريخ .. يكاد يكون قضيتنا الكبرى و لكن من وراء حجاب ، لا يقربه قصيرو الخطى و محدودو الرؤى ، بل يتطلب الأمر شجاعة و إقدام حتى تنال رشفة من رحيق حقيقته ، هو أسطورة كحجر الفلاسفة .. و قصة كألف ليلة و ليلة ، به قداسة يُفني المرء لأجلها حياته طلباً للعلم النزيه في حضرته ، و يجاهد نفسه من أجل أرقام ، أحداث ، و أوراق مكوّمةٍ .. من أجل الحقيقة لا غير .. لا مبدِّل لها بمشيئة الله . كل شيء يدور في نفس الدائرة .. و كله يتكرر من جديد .. حتى ما ظننا أننا لم نألفه نكتشف بع...