المشاركات

حلم من جديد

 رأيت حلماً من جديد، ولا تتوقف الأحلام عن ملاحقتي ! كان واقعياً غريباً، بعيداً قريباً، مشوش وشديد الوضوح، كان شيئاً من كل شيء بداخلي، إفرازات عقلي ومزيج من الرغبات المضغوطة بعنف داخل أحشائي، نداء مدفون قرر أن يخرج على هيئة طيف يزورني في المنام ليثبت وجوده ويرسخ أركانه . خرجت من لساني "يا رب" من الاعماق، وكأنني أناجي الله للمرة الاولى .. والأقوى على الإطلاق، كانت مختلفة، يملؤها الرجاء ويكسوها الخشوع، ما الذي جعلني أتفوه بها أو بالأحرى ما الذي جعلها تشقّ طريقها من واسطة قلبي إلى أطراف لساني ؟ لقد كانت دعوة من أحدهم .. أمنية لطالما طلبتها من الله، أمنية أخفيتها أكثر مما أظهرتها، أمنية أسكنتها في قلبي وعانقتها، أن أعود .. أن أعود ! كنت أقول وكنت أستمع وكنت أريد أن أقول المزيد، كانت بداخلي أحاديث لا تنتهي .. أيعقل أننا نقول كل شيء لا نستطيع قوله في الواقع في أحلامنا، أيعقل أن عقولنا تسأم ويصيبها الضجر من كتماننا فتبوح على طريقتها، أيغنينا البوح سراً في المنام عن البوح الحقّ على الأرض ؟ قطع صوت الهاتف حلماً كنت أود أن يستمرّ، لتتوافد دموع من عيني حزناً على شوق لم يتم إشباعه، وحلم ل...

طقس شكر

 في هذه الحياة كلمات لا تُنسى، تقدِّس البقاء وتصرّح كل يوم بأنها "هُنا" معنا وبيننا وبداخلنا .. ويكبر الإيمان بداخلي في كل يوم بأن الكلمات تحيا للأبد .. الكلمات اكسير الحياة . إنني بالفعل لا أنسى كلماته البلسمية حينها، تلك التي قالها وهمّ بالمغادرة، كان يبتعد شيئاً فشيئاً وتتلاشى صورته من أمامي وتتداخل بين أكوام من البشر، كان المكان يعجّ بالفوضى كعرس غجريّ في المساء، ولكن ذلك لم يمنع عقلي من الحفاظ على هدوئه مع صوت واحد فقط بداخله .. لقد أحدثَت كلماته أصداء لم تتوقف حينها ولعلّها تطلّ عليّ من حين لآخر لتثبت وجودها الأبدي . كان ينصحني بالتمسك بالأمل ! ما الذي أوحى إليه بإهدائي هذه الكلمات حينها .. لقد كانت هِبة لا تُضاهى .. كان لها لحن خاص وكأنني أسمعها للمرة الأولى، وكأنني لا أطعمها لنفسي في كل صباح وعند كل تجربة مريرة، وكأنني لست خليلة الأمل الفضلى وبنته، ولست تلك التي تتغزل به في بضع أسطر تعرضها للناس .. هل كانت هذه هي المرة الأولى التي أعرف فيها هذه الحقيقة حقاً ؟ لا أو ربما نعم بشكل ما ! إلى صاحب الكلمات، قد تقرأ هذا النص وقد لا تفعل، قد تراه وقد يموت في عين أحدٍ آخر وقد ...

هروب

 ويستمرّ مسلسل الهروب إلى ما لا نهاية، ولكن هذه المرة تجاوز الأمر حد الهروب من المحيط بكائناته إلى الهروب من نفسي .. من حقيقتي . أهرب من تاريخي وذكرياتي، أهرب من واقعي وأحلامي، أهرب من مسؤولياتي وفراغي .. إلى أين ؟ إلى اللاشيء أو إلى عبثية الأشياء . إلى البعيد جداً أو إلى الأقرب إليّ .. إلى أعمق نقطة بداخلي أو إلى آخر بعد على هذا الكون . لا مكان لـ "لماذا" .. لا مكان للسببية في هذه الحكاية .. هذه السلسلة التي لا تتوقف .. هذه السلسلة التي أفرزت لي قناعة جديدة بأن الحياة ليست إلا رحلة هروب، وأننا عالقون فيها مجبرون على مجاراتها . لماذا نميل إلى الهروب ؟ ولماذا ينصحنا الحكيم من البشر بالمواجهة ؟ أقف بين هاتين النقطتين في منطقة العدمية، ما بين هروب ومواجهة وما بين صوتٌ قلبيّ وآخر عقليّ، لا أرجح أي كفة إنني فقط أحافظ على موقعي المتردد نفسه، بين البين، وكأنني خلقت للبقاء بين الأمور، وكأن المنتصف هو مأواي . أتأرجح ما بين الثبات الرمادي، وما بين التشتت الأسود-الأبيض، وأحاول إيجاد المكان الامثل عند كل خطوة . هي هكذا النفس البشرية متأرجحة، تكره الثبات وإن اختارته، فليس بيدها إلاّ اختيا...

وجوه

  وجوه شتى مررت بها في حياتك .. وجوه سجلت حضوراً ووجوه توارت سريعاً .. وجوه لا تفارق مخيلتك وأخرى اختفت في براثن النسيان .. وجوه تخفي وراءها ما لا يشبهها ووجوه تحمل ألف حكاية في ملامحها .. وجوه علمتك أن هؤلاء ليسوا مجرد وجوه بل كيانات وقلوب وعقول .. قصص كاملة انضمت إلى قصتك الخاصة لتصبح مشهداً متناغماً مع مسرح أحداث حياتك أو ربما .. مجرد لا شيء ! كم من هؤلاء هم الآن معك ؟ كم من هؤلاء أحدثوا تأثيراً عليك ؟ كم منهم من نادته روحك وتلقت جواباً ؟ ليس الكثير؟ بالتأكيد ! قد يكونوا محطات وقد يكونوا سيّاح قدمواْ في رحلة سريعة إلى عمق قلبك وغادرواْ بصمت بعد تلك الرحلة المثيرة التي خاضوا غمارها.. ولكن ما هو موقعك بين هذه الوجوه ؟  هل أنت ذلك الزائر الذي استعجل بالرحيل ؟ أم المقيم الذي أطال المكوث قليلاً ؟ أم المستوطن الذي تعهد بالبقاء ما بقي له من العمر ؟ هل تركت أثراً بارزاً في كل من التقيت أم اكتفيت بالعبور خفيفاً كنسمة هواء يتيمة ؟ وما الجدوى من أن تكون أكثر من مجرد وجه في عالم يتمخض فيه الوجه عن ألف وجه يختبئ خلفه ؟ هل تعتقد أن أجوبة هذه الأسئلة مهمة حقاً ؟ طوال عمري اكتفيت بطرح التس...

مدينتي الفاتنة

(1) يا مدينتي الفاتنة .. إنني لا أنسى ذلك اللقاء الذي جمعني بك ذات ليلة ظلماء كنتُ فيها محمّلة بأطنان من الأشواق .. عادت الإبتسامة إلى روحي من جديد عند رؤيتي لتوهجك في تلك الليلة حالكة الظلام ..  ذلك البريق الذي غاب عنّي لسنوات عجاف .. كنت أسرف في التنفس كالمسعور .. و كأن حبال من النار قد أزيلت عن عنقي و أعتقتني من هلاك طاغٍ يدوس عليّ .. أما أنتِ فكنتي غارقة في منام لطيف .. هلّا أحدثكم عن جمال محبوبتي النائمة ؟  عن ذلك السكون الجذاب الذي يلفّها .. تلك الأغاني السحرية الصادرة من شجيراتها المتمايلة طرباً مع أنسام السعادة .. أنسام الوطن . ........... يا تلك الليالي .. فلتحنّي .. فلتعودي .. ألم تحركك أطنان المناداة ؟ مناداتي .. لا مناداة عتاب .. بل هي مناداة شوق خالص قد استولى على كياني و أسَر أركاني . يا سماءاً حسناء أتأمل نجومها بكلّ هيام .. فاتنة يليق بها سوادها .. مكسوّة بلآلئ يسحر الأنفس بريقها .. هي ليال لا بأس أن تطول بل ليال لا أرغب بانقضائها .. أتمنى لو لا تعترض هذه الحكاية الشيقة نهاية تعكّر صفوها ، لأنها ليالٍ تعانقني إلى أن أغفو و أنا بين يديها الحنونتين ، هي سماء تنير...

رسالة إلى وطني .. قد لا تصل !

  تأسرني تلك التفاصيل الصغيرة التي تحتضنها بحميمية بالغة، تلك التفاصيل التي قد تكون غير مرئية للغير ولكنها لي الحياة بما فيها.. أغوص فيها وأعيشها. كيف تعصف بي أفواج الذكريات لمجرد رائحة، نسمة هواء، نكهة، مشهد، رداء، كلمة ! كلها عناصر لا تعني شيئاً للكثير ممن يعيشون معنا، ولكنها كافية لتغرقني بوابل من المشاعر الغزيرة، مشاعر شوق وشجن، حب وأمل وكل ما هو ... لا أعلم ! في كل مرة أُسحر بنفس الطريقة.. كل يوم تلاحقني أطيافك.. وكل ليلة تستلمني الذكريات وتربّت عليّ بلطف لتواسيني .. لتمنحني بصيص أمل ووعد بلقاء قريب.. لقاء يشفي قلبي الذي أنهكه البعد .. قلبي الذي يستنشق كل شيء تكون فيه ويراك في كل شيء ! كيف يمكن أن يتغير طعم الأكل ؟ كيف يمكن أن تتغير رائحة الهواء ؟ كيف يعقل أن تتبدل الأشياء غير الأشياء في حضرتك ؟ كل شيء بداخلك مميز وكل ما هو خارجك بلا ميزة .. هل هو حقيقي أم من اختلاق عقلي ؟ هل تفرض عليّ الغربة قواعداً كونية تختلف عن تلك التي تسري على بقية البشر ؟ هل تسللت الغربة إلى أعماقي وأخمدتني لتحييني قطعة حلوى اعتدت أن أسلتذ بها وأنا أتأمل سماءك ؟ لهذه الدرجة من العمق .. بهذه الكمية من ال...

إن للعدالة ألواناً

 عندما امتزج الأصفر بالأزرق انفجر الكون تعاطفاً، طوفان من الدموع الكرتونية انطلق مكتسحاً الأرجاء، وعن أرض شرقية مقدسة تنزف كل يومٍ دماً أحمراً أشاحت الأعين وتنازلت القلوب ! عن أسوَد يعيش في أرض بيضاء ثار العالم في وجه السلطة، وعن آلاف السود في أرض السمر عميت الأبصار وصمتت الحناجر، يصرخون : "حياة السود مهمة!" ماذا عن حياة البقية ؟ أليست بذات الأهمية ؟ أليس للكل أحقية متماثلة في الحياة ؟ ماذا عن الهنود الحمر مثلاً ؟ ماذا عن العربي الأسمر ؟ ماذا عن الهندي الموحِّد ؟ تتغاضون عن كل أولئك وتتباهون بعدالة قضيتكم .. أين العدالة في انتقائية تطبيقها ؟ أين العدالة في تحديد جغرافيتها ؟ أين العدالة في حصر مسمياتها ؟ ووسط كل هذه الصيحات الضائعة تضيع حقوق وحقوق كل يوم . لا عذراً على قساوة الخطاب فما تأتوتنه أشدّ قسوة وسوءاً .