المشاركات

ساعات أكثرُ من أن تُعاش !

  حينها فقط تنبهت إلى أدق التفاصيل، رأت قلب الوردة لأول مرة، سمعت حسيسها، تحسست نبضها .. رأت الأشياء غير الأشياء و مات الإعتياد ذبيحاً، ومن بعد ذلك تساءلت، "هل أنا أبصر لأول مرة ؟" تجوّلت فأحست بالهواء يعبث بردائها ويدغدغ أرنبة أنفها، حينها فقط جربت التحليق عوضاً عن المشي . كان الموعد الأمثل لتتعرف على نفسها من جديد، كصديقة دائمة أو صديقة جديدة، لتتكشف مواطن الإختلاف والتجديد، ومواطن الحفظ و الإبقاء، لتسألها الأسئلة المعتادة فتجيبها بأجوبة غير معتادة، ليبدأ الحديث بلا ترتيب وقوالب، حديثاً تلقائياً صافياً، لتتحرك العيون بلا سكون، و يهدأ ضجيج العقل بلا اضطراب، لتمتزج كل الألوان لوناً واحداً ولتُخبز الكلمات ولا تؤكل، ليستذكرن الدروس سوياً ويتبادلن العلوم مطولاً، ألا يستحق كل ذلك أن نقتطع من الأربعة و العشرون خاصتنا ؟ أليس جديراً بأن يمنح استحقاق الزمن ؟ نعم يستحق .. و نعم جدير بذلك .

أشتاق إلى التنفس !

في المرة التي تنفست فيها لأول مرة ..  قبل ٥ أعوام تقريبًا.. تلك المرة التي شعرت فيها وكأنني أتنفس للمرة الأولى في هذه الحياة، أتنفس بعمق .. تذوقت الهواء، وحينها فقط علمت أن للهواء طعم ورائحة ووجود ! غريبة هي هذه الحقيقة ولكن لذّتها صرفتني عن غرابتها، وغرقت في اللحظة تماماً . في تلك المرة، طالعت السماء ليلاً فرأيتها لوحة قد أحسن المولى بنائها، وجدت النجوم معلقة وكأنها عوالم قائمة بذاتها، تنصتّ إلى أحاديثها وشاركتها الدردشات، وكانت بداية انبثاق صداقة من نوع آخر. كانت المرة الأولى التي يكون فيها عقلي هادئاً، والأولى التي يكون فيها حاضراً في اللحظة الراهنة فقط، وكأن الأفكار قد اختفت، وكأن التفكير قد انتفى، لأول مرة لا أفكر بغدٍ، بل بالآن فقط .. كان حديث النجوم ساحراً، مطمئناً حتى النوم .. نوم حقيقي هذه المرة ! هناك تعرفت على نفسي لأول مرة أيضاً، و عرفت أنني كنت أرتدي الإنطواء تكلفاً وبداخلي روح تحب إلقاء التحية على كل الكائنات، وتأنس بالإجتماع، وتستجلب الأحاديث، وتتبنى الضحكات .. كانت تلك أنا بشكل آخر في مكان آخر وفي زمان آخر، يا ليتني أصل إليها ! كل تلك المشاهد تختزلها جغرافية واحدة، ...

تلك الأيام ..

"وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" هي حكمة الله في هذه الحياة، أن التاريخ لا يموت بل يبقى ويتكرر، ويجرّ معه سلاسل من المشاعر التي تعود إلى الحياة بنهم كلحظة ولادتها الأولى، ومشاهد تعاد كشريط تالف لا يتوقف عن الدوران، ونعود إلى النقطة الأولى بإرادتنا ورغماً عنا، ونظن أنه مجرد رقم خط على ورقة ليعرّف الزمان، ولكنه نقش حُفر في زوايا عقولنا ينبض عندما يتماثل مع الأرقام في الورقة .. الأرقام نفسها التي نظنها مجرد توقيت أو تقويم، ولكنها توقظ أشياءً بداخلنا، عواصف لا تهدأ . كنت أرجو وبشدة أن تعتقنا التواريخ من سطوتها ولكنني الآن أعي أن في هذا التاريخ جزء مني، إنني مجموعة تواريخ إذا تخليت عنها تخليت عن نفسي، إنني السابع عشر من نوفمبر بألمه، إنني الثالث من يوليو ببهجته، إنني الأول من يناير بشاعريته، إنني الأول من رمضان بفرحته، إنني العاشر من ذي الحجة بأشواقه، إنني الجمعة بطمأنينتها، والسبت برتابته والثانية عشر بعد منتف الليل، إنني الثامن والعشرون من رمضان بإنكساره .. إنني كل تلك الأيام .. إنها أنا .

زحام الشعور

 أتعبتني كثافة المشاعر وسرعة تبدلها، أنهكني التخبط طمعاً في الوصول إلى الإستقرار ثم لا يهدأ شيء في هذه الحياة، لا تصمت الكائنات، لا تتوقف النزاعات، لا تختفي الوجوه، لا تبقى سوى تلك الضوضاء تكررنفسها، ثابتة على الحركة، تراقص قلبي بل ترقص فوق أشلائه . لست ناقمة على هذا الكم من المشاعر، إنني فقط أتعجب وأتأمل .. أسأل ولا أجد جواباً، أبحث عن الإسترخاء فلا أجده، ولكنني أجد شيئاً من أثيره في التغافل فأتبناه . هل يحييني أم يقتلني لست أدري .. ولكنني الظمآن الذي وجد شرابه فانقض عليه دون تأويل وعناء تفكير، إذا كان الشراب ينهي حالة قد احتلتني بلا رحمة فما الداعي إلى النظر في ماهيته وتحليل مكنوناته ؟ أليس هذا طبع الإنسان ؟ أن يسد حاجته بما يجده وإن كان فيه هلاكه .. وفي تلك اللحظة فقط يختفي العقل وينقرض المنطق . وقد خلق الله قلباً يتسع لكل تلك المشاعر فلا تجزع !

نصف فلسفة وحياة كاملة

وتسألني أنتِ منّا أم منهم ؟  وأقول لست منكم ولا منهم، أنا روح تنتمي لهذه الحياة فقط بلا مسميات . وتسألني أيّهم أقرب إليك ؟  فأقول قريبٌ هو كل ما يشبهني ولو باعدت بيننا أبعاد سحيقة . وتسألني من منهم الأفضل ؟ وإنْ جاوبك صوت طفولتي الساذج يوماً فصوت نضجي صامتٌ لا يجيب . وكم رهنت نفسك للمسميات، تعيش بها ولأجلها وكم نسيت أن تحاول أن تكون "أنت" .. "أنت" فقط مجردٌ من أيّ إضافة أخرى . وكم تشبهني روحي إلى الحد الذي تُريني كل من سواها غريباً . وكم تألف روحي من حولها إلى الحد الذي يقربها من كل الكائنات .  و كم و كم وكم ...  سؤال أخير .. هل هي فلسفة حياة ؟ بل هي الحياة كما أراها .

خذني إلى حيث أنتمي

 خذني إلى حيث أنتمي . حيث أعود للحياة . حيث أشعر بأنفاسي من جديد .. حيث أسمع صوتي لأول مرة . حيث أشهد ولادتي . خذني إلى منبتي .. إلى جذوري وأوراقي . إلى منطقة اللاوداع إلى ملتقى اللادموع . خذني إلى أرض الوطن .. أو اصنع لي وطناً في الأرض . خذني إلى حيث تتحد روحي بجسدي وتتناغم مع سيمفونية الطبيعة . إلى حيث لا حدود .. إلى حيث تنتهي سلطة العقل والمنطق . إلى النقطة التي يتوقف فيها الزمان .. ويتصافى فيها الضدان . إلى حيث أعود طفلة من جديد، ويتوقف العمر عن الركض كما امتهن دوماً . إلى الربيع أو الخريف وكل فصل هامشي في هذه الحياة . إلى نقطة البداية أو نهاية الطريق . إلى ما بعد الوعي .. وما دون الفكر . إلى كل ما ينتمي إليّ وأنتمي إليه . خذني ... بل سأبقى .

أنت تستحق الخلود

 تكبر في هذه الحياة وتمضي أيامك ساعياً لأن تكون مميزاً، وأن تكون حكايتك التي أنت بطلها أسطورية تخطّ أحداثها على ذاكرة الزمان، وتظن أنك في طريقك إلى هذه الصورة اللامعة وأن كل سعيك ينصب عليها ويؤدي إليها -أو هذا ما تخاله على الأقل- . وفي لحظة مباغتة من الزمان تتوقف عن السعي، تتخلى عن توقك إلى هذه الحكاية وترضى بحياة أقل من عادية .. حياة بلا معالم .. ميزتها أنها سهلة ومريحة .. متاحة وسريعة كأي اختراع جديد وُجد لإراحة البشر وتخليصهم من المعاناة المزعومة .. او فقط من أجل إنتاج المزيد من جينات الكسل بداخلهم وتحفيز السعي نحو الراحة . مثير كيف تحوّل كل توجهك من التميز والتفرد ، إلى السائد والمريح ! في الحياة قصص شتى، قصص تموت بموت أصحابها وقصص تحيا بعدهم تظلّ تُذكّر بهم وتنادي بأسمائهم، ومن الحياة تعلمنا أنّ الكثير من القصص العادية هي قصص قصيرة الأمد لا تعرف للخلود سبيلاً .. ولا يخلد فيها إلا من كانت قصته مختلفة، وحتى تلك المعاناة التي تظل تهرب منها كطفل هارب من وحش يختبئ تحت فراشه هي ما سيبقى ذكرها، هي ما ستختم قصتك بختم الخلود . يقال القصة لا تموت .. لا، بل تموت ! عندما تكون القصة انعكاس...