المشاركات

طقس شكر (5)

إنه طقس شكري الخامس إن لم أخطئ العدّ، تقدم أو تأخر في ميعاده لا يهم ! سيكون طقساً بعيداً عن التكلف، منزوعاً من النظم والمبالغات اللغوية التي قد تعقد شعوراً بسيطاً حتى وهي تمنحه أفضلية التعبير الرصين، أشكركم جميعاً، على السؤال الحنون الذي أتلعثم في كل مرة عند إجابته، السؤال الذي يتكرر ليشعرني بالقرب منكم مع ابتعادي عن كل شيء، السؤال المرفق بالدعوات التي أحب، الجُمل التي خرجت من طابع الأحلام إلى قوالب الروتين، روتين عادي لقائلها ولكنه لم يكن يوماً عادياً بالنسبة لي، في هذه الأيام، كل تلك الأمور وجدتها ثمينة .. ثمينة جداً . وبما نصت عليه عادتي، لابد أن يكون طقس شكري مبهماً، عاماً وشاملاً، أما عن الأسماء والشخصيات فموقعها بين الكلمات حيث يراها ويلمسها قارئها المنشود، أما إن ضللت الطريق أثناء القراءة، ولم تجد نفسك ههنا، فتُشكر أيضاً بلا أسباب وبهامش مفتوح من الأسباب، كما تريد !

الحمدلله

لم تكن يوماً مجرد كلمة عادية، ولا شكراً مألوفاً، ولا قالباً جامداً، ولا رياضة عزم اللسان على مضاعفة تكراراتها . لقد كانت "الحمدلله" رفيقة اليقين والإمتنان والسكينة والمحبة وعميق ما يختلج القلب، ويؤنس النفس، ويراقص مقلة العين الفَرِحة بعطايا ربها، إن "الحمدلله" والتيسير للشكر هو بحد ذاته عطية من الله، فعندما تشكر هذا دليل على أنك ترى فتستشعر، وتطيب فتأنس، ثم تمتنّ وتحمد، وتكثر في الحمد رغم علمك أنك لن تبلغ حد الإنصاف وتغطية كل نعم الوهّاب . "الحمدلله" آمنة جداً، تطمئن نفسك عندما تلهج بها، لأن الله قريب مجيب، واسع العطايا، كريم الهِبات، جالبٌ للخير، دافعٌ للشر . أما عندما تأتي متأخرة، فأثرها على النفس أعمق وألذَ .. عن "الحمدلله" التي تأتي بعد إدراك الحكمة، بعد النجاة من سوء اختيارات النفس، وضبابية البصيرة، ومحدودية المعرفة، تلك التي تتشارك الحواس في الهتاف بها بصوت واحد، لما ترى الخير ينبثق من شرٍّ ألبسته إياه فينير عتمتك، عندما تعود في كل مرة لتسلّم كل ما يخصك لله، لأنك في كلِّ مرة تدرك أن خيارات الله كانت الأحسن حتى وإن لم يتجلى ذلك أمام عينيك في...

لمَ العناء ؟

  وهنا تفطنت إلى حقيقة أننا من نحرم أعيننا من رؤية الجمال في الأشياء، نحن من نحجب جمال كل شيء عنّا ونظل غارقين في التفاصيل الموحشة .. بمحض إرادتنا، نحن من نختار ارتداء العدسة الأحادية التي لا تمر من خلالها غير المساوئ، ثم نشتكي ونسرف في الشكوى عن مدى سوء هذه الحياة، ومدى قبح الكائنات، وكيف أن الدنيا مكان لا يحتمل ! ولكنه يبقى خياراً، متاحٌ على الدوام .. أن نختار رؤية الجمال في كل شيء، أن نختار رؤية الصورة الملونة عوضاً عن تلك النسخة الرمادية الباهتة، أن نختار رؤية الغيوم تتزين في السماء، واحدة تشبه قطة تلعب، وأخرى كأنها غزل البنات، والثالثة .. تشبهني عندما أضيع في القراءة !  كم ستبدو الحياة ألطف، أسهل وأطرف أيضاً ! سنضحك من تلك القطة التي تلاحقنا من أجل قطعة شطيرة كانت بيدنا، سنسخر من كوب القهوة السابع الذي أرقناه على ثيابنا بكل حماقة، سنتهافت على التقاط صور لكل الأشياء من حولنا ثم سنمحوها جميعها لأنها لم ترُق لنا . فلِمَ العناء ؟

الزنزانة

 هل نستحق قسوتنا ؟ أم لا وجود للفرص في مواجهة النفس وعثراتها ؟ يُعدم التسامح ويموت اليسر، ونختلي بسياطنا مع أنفسنا، نمتهن العنف وكأن العقاب هو من يحمل مسؤولية تقويمنا، ونتبنى المنهج البهيمي لعل النتيجة تأتي أوثق، ثم تصيبنا الدهشة مما صارت إليه تلك النفس المنهكة، المظلمة، الجوفاء، تلك النفس التي تتلقى الضربات من كل الجهات حتى منها . لماذا لا نقبل إعتذاراتنا، نمسح على رؤوسنا مرددين بنبرة حانية "لا بأس .. سنخطئ ونتعلم، وسنسامحنا في كل مرة"، بلا شحّ في الفرص، ولا إسراف في الأحكام، بتلك الدفعة إلى الأمام دون تلك الجلسات الممتدة في تأمل خيبات الماضي ونقمها . هي لا تهون .. عثراتنا التي آلمتنا، ولكن اختيارنا بالبقاء في ذلك الألم لأطول مدة ممكنة هو ما يخنقنا، يشدّ وثاقاً لُفّ حول رقابنا، يبدد مسيرنا ويعيق رؤيتنا، تلاحقنا أشباحنا ليلاً ونهاراً، نود الخلاص ولكننا لا نختاره، بل نخترع اختيارات أخرى أكثر إيلاماً، ثم ننتظر من الحياة ما ينبغي أن نأتيه بأنفسنا ! ننتظر الدواء لجرح نحن من أحدثناه .. رباه كيف ندمر تلك الأرواح التي وهبتنا إياها .. سامحنا . إن كانت المحاسبة حياة .. فيبدو أننا نحيا...

طقس شكر 4

هو شكر أستهدف به كل اللحظات الصغيرة .. الإهداءات الفجائية .. والكلمات اللطيفة .. والإطراءات المجزية، تلك المواقف البسيطة التي قد لا تعني لأحدهم الكثير، ليست أكثر من قطعة حلوى فككها الجسم إلى جزيئات، أو كلمة زال مفعولها سريعاً، أو ابتسامة دامت لثوانٍ ثم تلاشت كأن لم تكن، ولكنها لي كانت وقوداً ليوم بأكمله، أوعناقاً دافئاً لذلك القلب الذي يرفرف وحيداً بعدما أنهكته الليالي الطوال والنهارات الثقيلة، شكر جامع لتلك وتلك .. اللاتي جئن في اللحظة المناسبة كي يؤكدن لي أن ابتسامتي تستحق فرصة أخرى للظهور من جديد، أو ربما مكافأة على معروف لا أدري ما هو . لطالما آمنت بمثل هذه اللحظات والمواقف العابرة .. بل إنني أعوّل عليها وأثق بقوتها، هي قوت الروح، فيها ملاطفة للنفس ودغدغة للذاكرة بل تمرد عليها، تمرّد على تقاليدها ومفاضلاتها المجحفة، أحب كيف تشق طريقها بكل صلابة لتحجز مكاناً في الذاكرة وتتلقى استحقاق الإمتنان، وبكل ما فيها من قوة تراها تربت عليّ بكل رقة على مدار اليوم، فتجعلني أعشق التكرار لأول مرة بسطوتها . ربما هي تلك الفراشة التي لطالما حدثونا عنها ..  ياله من قلب، معلق بين جناحيّ فراشة !

مصيدة الذاكرة

  كم تبدو انتقامية أحياناً، كعقاب يجريه العقل علينا، على ما اقترفنا وما لم نقترف، دقيقة فيما لا نود حضوره، عقيمة فيما نتوق لاستحضاره . أما ذلك العقل .. منشأها و قائدها، ولو أنه في موقع الحساب منفرداً لوجب عليه أن يبرأ إلى الله مما يفعله بنا، ولكنه جزء منا، بل هو نحن، ونحن نلكم أنفسنا مراراً، نوجه إلينا الصفعات، كمعركة حامية الوطيس، لا تكاد تهدأ حتى تستعر من جديد، المعركة التي لا استراحة محارب فيها ! أرويته عتباً أغرقته عذلاً ولكن ما من استجابة.  ألا تتعب الذاكرة .. ألا تهدأ .. ألا تنتقي ما نحب وتذب عما نكره ؟ ولكنها ذاكرة الألم هي من تحركنا، تربينا، هي التي تصنع الإنسان الحقيقي وتغذي الشعور الصادق .. ضرورية مؤلمة، حاجة مهلكة . وما لنا سوى التأقلم والإنسجام .. بحكمة .

مأساة الشعور مجدداً

 يا له من مأساة .. الشعور وسخاءه ! ما به يتضاعف بهذا الشكل ؟ هل هذه الدنيا تثقل أكثر فأكثر أم أنه يشق طريقه نحو التفاقم غير الطبيعي ؟ ليس من باب واحد بل من كل أبوابه، حتى ما عاد من الممكن الوصول إلى آخره .. إلى الأكيد منه، وكأنه تيه على تيه . يبقى البشري يرتحل من نصف سعادة إلى نصف حزن، من ربع طمأنينة إلى ثلاثة أمثاله خوف، ثلث ندم وثلثين رضا، نسب تتبدل وتتحرك، تأبى الثبات كما هو الحال مع كل شيء، معادلة بلا نتيجة ولكنها بألف سطر أو تزيد . تراه يبحث عن شيء في كل شيء .. لا يكتفي وكأن الإكتفاء قد اُنتِزع من قاموسه، يبحث عن الإجابة في السؤال وعن السؤال في الإجابة، يحاول الوصول إلى شكلٍ لفلسفته ثم يختار العودة إلى عبثيته، كيف يعيش عبثاً هكذا ؟ بل كيف يعيش أصلاً ؟